دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني ) — صفحة 108
والتّعقيد مع فصاحتها ( 1 ) ] هو حال من الضّمير في خلوصه ( 2 ) واحترز به ( 3 ) عن مثل المدار في فصاحة الكلام الخلوص من المجموع لا من كلّ واحد ، مع أنّ الأمر بالعكس . ( 1 ) أي مع فصاحة الكلمات ، ثمّ كلمة « مع » في قوله : « مع فصاحتها » لأحد معان ثلاث ، لمكان الاجتماع نحو جلست مع زيد ، وزمانه نحو جئت مع زيد ، وبمعنى عند نحو جلست مع الدّار ، لأنّ كلمة ( مع ) عند إضافتها تأتي للمعاني المذكورة . [ البحث حول قوله : « مع فصاحتها » ] ( 2 ) يعني قوله : « مع فصاحتها » حال من الضّمير في خلوصه ، فالمعنى أنّ الفصاحة في الكلام خلوصه ممّا ذكر مع فصاحة كلماته ، فيكون مبيّنا لهيئة صاحبه ، وهو الكلام الّذي هو مرجع الضّمير فيكون الكلام مع خلوّه عن الأمور الثّلاثة مقارنا بفصاحة كلماته ويكون الحال قيدا لنفس الخلوص ، وحينئذ فالمعنى والفصاحة في الكلام : هو انتفاء ضعف تأليفه وتنافر كلماته وتعقيده حالة كون فصاحة كلماته تقارن ذلك الانتفاء . فإن قلت : إنّ كون الظّرف حالا من الضّمير في خلوصه ينافي تصريحهم بأنّ ظرف اللّغو لا يقع حالا ولا خبرا ولا صفة ، وذلك لأنّ العامل فيه عندئذ الخلوص ، حيث إنّ العامل في الحال وصاحبه واحد فيكون ظرفا لغوا . قلت : إطلاق الحال على نفس الظّرف مسامحة من قبيل إطلاق اسم الكلّ على الجزء ، لأنّ الحال في الحقيقة هو الظّرف مع متعلّقه ولازم ذلك كون الظّرف مستقرّا ، لأنّ العامل هو الفعل المقدّر . ( 3 ) أي احترز المصنّف بقوله : « مع فصاحتها » عن مثل زيد أجلل ، وشعره مستشزر ، وأنفه مسرّج ، إذ لولا هذا القيد لما حصل الاحتراز عن هذه الأمثلة ونظائرها بمجرّد الإتيان بضعف التّأليف وتنافر الكلمات والتّعقيد في التّعريف ، لكونها خالية عن هذه الأمور . نعم ، شعره مستشزر مشتمل على كلمة متنافرة ، ولكن لا يوجب ذلك عدم خلوصه من تنافر الكلمات ، لعدم اشتماله على كلمتين متنافرتين فصاعدا ، فهو خالص عن تنافر الكلمات ولا يكون خالصا عن كلمة حروفها متنافرة ، فمن ذلك أتى بقوله : « مع فصاحتها » للاحتراز عن هذه الأمثلة فإنّها لعدم كونها مشتملة على فصاحة جميع مستشزر ، وأنفه مسرّج