بل قولان أظهرهما : أنه ( 1 ) بالطبع بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فيه ، ولو مع منع الواضع عنه ، وباستهجان الاستعمال فيما لا يناسبه ولو مع ترخيصه ولا معنى لصحته ( 2 ) إلّا حسنه ، والظاهر : أنّ صحة استعمال اللفظ في نوعه ( 3 ) أو مثله ( 4 ) من قبيله ( 5 ) ، كما يأتي الإشارة إلى تفصيله .
شرح
فنقول : إنّ موضوع النزاع هو : أنّ صحة استعمال اللفظ فيما يناسب المعنى الموضوع له هل هي أمر يرجع إلى الطبع والذوق ، أم أنّه أمر يرجع إلى إذن الواضع ؟ فإن رخص فيه الواضع صح وإلّا لم يصح .
( 1 ) أي : صحة الاستعمال فيما يناسب ما وضع له بالطبع لا بالوضع .
توضيح ما أفاده المصنف في المقام يتوقف على مقدمة وهي : أنّه لا ريب في أن المناط في صحة استعمال اللفظ فيما وضع له هو الوضع فقط . وإنّما الكلام والخلاف فيما هو المناط في صحة استعمال اللفظ فيما يناسب الموضوع له هل هو الوضع النوعي ، كما نسب إلى المشهور أو هو الطبع فلا يكون للمجازات وضع .
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم : أن ملاك صحة استعمال اللفظ في المعنى المجازي عند المصنف هو : قبول الطبع السليم ، فكل استعمال قبله الطبع يصح بشهادة الوجدان ، وكل استعمال لا يحسن طبعا لا يصح وإن أجاز الواضع ، فإذا وجدت مناسبة بحكم الطبع بين المعنى الحقيقي والمجازي فهو حسن وإن منع الواضع عنه ، وإذا لم توجد لم يحسن وإن أجاز الواضع ، فحسنه مع منع الواضع وقبحه مع إجازة الواضع يدلان على عدم توقف الاستعمال على الوضع . فلا دخل للواضع في حسن الاستعمال .
ومن هنا يظهر فساد ما نسب إلى الجمهور من : أن ملاك صحة استعمال اللفظ في غير ما وضع له هو الوضع . والمراد بالوضع هو الوضع النوعي ؛ وهو عبارة عن إذن الواضع في استعمال اللفظ في معنى بينه وبين ما وضع له إحدى العلائق المصححة لاستعمال اللفظ في المعنى المجازي ؛ من دون لحاظ مادة معينة ، أو هيئة مخصوصة لذلك اللفظ في مقام الوضع . ومما ذكرناه تظهر ثمرة القولين في الاحتياج إلى العلاقة وعدمه ؛ فإن كان الملاك هو الطبع فلا يحتاج إليها ، وإن كان الوضع فيحتاج إليها .
( 2 ) أي : لا معنى لصحة الاستعمال إلّا حسن الاستعمال .
( 3 ) أي : مثل : « ضرب » في قولهم : « ضرب فعل ماض » حيث يكون « ضرب » نوعا من الفعل .
( 4 ) أي : كقولنا : زيد في - ضرب زيد - فاعل ، إذا أردنا به مثله .
( 5 ) أي : من قبيل استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له ، فيكون بالطبع لا