دروس في الكفاية — صفحة 377
التكرار في مادتها كما لا يخفى . إن قلت : ( 1 ) فما معنى ما اشتهر من كون المصدر أصلا في الكلام ؟ قلت : ( 2 ) مع إنه محل الخلاف معناه : أن الذي وضع أولا بالوضع الشخصي ؛ ثم البحث في الدلالة على المرة والتكرار من ناحية المادة . ( 1 ) هذا الإشكال متفرع على إنكار كون المصدر مادة للمشتقات وأصلا لها ؛ بتقريب : أن هذا الإنكار ينافي ما اشتهر بين أهل العربية من أن المصدر أصل في الكلام ؛ إذ معنى كون المصدر أصلا في الكلام أنه مادة لجميع ما يتركب منه من المشتقات . ( 2 ) قد أجاب المصنف عن هذا الإشكال بوجهين : الأول : ما أشار إليه بقوله : « مع إنه محل الخلاف » . والثاني : ما أشار إليه بقوله : « معناه : أن الذي وضع أولا بالوضع الشخصي » . وحاصل الوجه الأول : هو عدم تسالمهم على ذلك ؛ لذهاب الكوفيين إلى أن الأصل في الكلام هو الفعل ؛ وذلك لوجهين : الأول : أن الفعل يقع مؤكدا - بالفتح - والمصدر مؤكدا - بالكسر - نحو : « ضربت ضربا » ؛ لأنه بمنزلة « ضربت ضربت » وهو أصل بالنسبة إليه ؛ إذ هو عامل ، والمصدر معمول ؛ مضافا إلى كون الفعل متبوعا والمصدر تابعا . ومن البديهي : أن العامل أصل والمعمول فرع ، كما أن المتبوع أصل والتابع فرع . الثاني : أن إعلال المصدر يدور مدار إعلال الفعل وجودا وعدما ، ومن الواضح : أن المدار عليه أصل ، والمدار فرع . هذا ما ذهب إليه الكوفيون . وأما البصريون فيقولون : بأن المصدر هو أصل الكلام ، واستدلوا بوجهين : الأول : أن مفهوم المصدر واحد وهو الحدث ؛ ومفهوم الفعل متعدد وهو الحدث والزمان والواحد قبل المتعدد فيكون أصلا له . الثاني : أن المصدر بمعنى : محل الصدور ؛ لأنه اسم مكان صيغة ، والفعل مأخوذ عنه فهو فرع له . فالحاصل : أن كون المصدر أصلا في الكلام ليس أمرا موردا للاتفاق ؛ بل هو محل الخلاف كما عرفت . وأما الجواب الثاني : - وهو العمدة - فحاصله : أن المراد بكون المصدر أصلا ليس كونه مشتقا منه ومادة للمشتقات ؛ بل معنى كونه أصلا في الكلام : أن الذي وضعه الواضع أولا هو المصدر ثم بملاحظته وضع غيره من الهيئات الخاصة التي تناسب المصدر مادة ومعنى وضعا شخصيا أو نوعيا .