تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في الكفاية — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
مراده ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا . إن قلت : ( 1 ) إن الكفر والعصيان من الكافر والعاصي ولو كانا مسبوقين بإرادتهما إلّا إنهما منتهيان إلى ما ( 2 ) لا بالاختيار ، كيف ( 3 ) ؟ وقد سبقتهما الإرادة الأزلية والمشيئة الإلهية ، ومعه ( 4 ) كيف تصح المؤاخذة على ما يكون بالأخرة بلا اختيار ؟
شرح
« عزّ وجل » تعلقت بصدور تلك العناوين باختيار العبد ، فلو صدرت بدونه لزم التخلف . فالمتحصل : أنه لا يلزم من تعلق إرادة الله تعالى تكوينا بالإيمان والإطاعة والكفر والعصيان جبر أصلا ، لما مر من كون إرادته التكوينية على نحوين ، ويلزم الجبر على أحدهما دون الآخر ، كما في « منتهى الدراية ، ج 1 ، ص 404 » . ( 1 ) الغرض من هذا السؤال هو : عدم اندفاع إشكال الجبر بما تقدم من الجواب وهو : أن الكفر من الكافر والإيمان من المؤمن من الأمور الاختيارية ؛ وذلك لكون كل واحد منهما مسبوقا بالإرادة . أما وجه عدم الاندفاع : أن صدور الأفعال من العباد وإن كان مسبوقا بإرادتهم واختيارهم ، إلّا إن تلك الأفعال بالأخرة منتهية إلى إرادته تعالى ، وإلّا لزم التسلسل ، لأن إرادة العبد من الممكنات ، وكل ممكن محتاج إلى المؤثر ، فإرادة العبد غير اختيارية ؛ لأنها مستندة إلى إرادة الواجب تعالى التي هي واجبة لكونها عين ذاته « عزّ وجل » ، فيقبح حينئذ التكليف بالإيمان وغيره لكونه تكليفا بما هو خارج عن الاختيار ، كما يقبح العقاب على الكفر والعصيان ؛ لكونه بما لا يكون بالاختيار ، فحينئذ لم يندفع إشكال الجبر بمجرد تأثير إرادة العبد في اختيارية الكفر والإيمان ؛ لأن الله قد خلق الكافر والمؤمن ، وأوجد فيهما إرادة الكفر والإيمان ؛ فلا بد من صدورهما عنهما . ( 2 ) المراد بالموصول هو : الإرادة الإلهية التي تنتهي إليها الممكنات ؛ التي من جملتها : إرادة المكلف ومقدماتها . ( 3 ) أي : كيف لا تنتهي إرادة الكفر والعصيان من الكافر والعاصي إلى ما لا بالاختيار ، والحال : أنه قد سبقت هذه الإرادة الأزلية الإلهية الرافعة للاختيار . ( 4 ) أي : مع السبق المزبور أي : مع سبق الإرادة الأزلية بإرادة الكافر الكفر ، والعاصي العصيان ، كيف تصح المؤاخذة على الكفر والعصيان اللذين هما مما يكون بالأخرة بلا اختيار ؟ لأن سلب الاختيار يستلزم سلب التكليف ، فلا تصح المؤاخذة من دون تكليف أصلا . فالمتحصل مما ذكرناه : أن الكفر والعصيان تابعان لإرادة العبد ، وإرادة العبد لكونها ممكنا ، وكل ممكن يجب أن ينتهي إلى الواجب تابعة للإرادة التكوينية الإلهية ، وهذا مستلزم للجبر .