وإن كان ثابتا وجب الاحتياط فيه بحكم العقل ، إذ يحتمل أن يكون ما يرتكبه من المشتبهين هو الحرام الواقعي ، فيعاقب عليه ، لأنّ المفروض لمّا كان ثبوت التكليف بذلك المحرّم لم يقبح العقاب عليه إذا اتّفق ارتكابه ، ولو لم يعلم به حين الارتكاب .
واختبر ذلك من حال العبد إذا قال له المولى : اجتنب ، وتحرّز عن الخمر المردّد بين هذين الإنائين ، فإنّك لا تكاد ترتاب في وجوب الاحتياط ، ولا فرق بين هذا الخطاب وبين أدلّة المحرّمات الثابتة في الشريعة إلّا العموم والخصوص .
فإن قلت : أصالة الحلّ في كلا المشتبهين جارية في نفسها ومعتبرة لولا المعارض ، وغاية ما يلزم في المقام تعارض الأصلين ، فتخيير في العمل في أحد المشتبهين ، ولا وجه لطرح
شرح
( وإن كان ثابتا ) ، كما هو كذلك ( وجب الاحتياط فيه ) لحكم العقل بوجوبه بعد ثبوت المقتضي وعدم المانع كما تقدّم ، فحينئذ لو ارتكب المكلّف أحد المشتبهين ، وكان حراما في الواقع فإنّه يعاقب ، وعقابه لم يعدّ قبيحا .
( واختبر ذلك ) ، أي : وجوب الاحتياط وعدم قبح العقاب ( من حال العبد إذا قال له المولى : اجتنب ، وتحرّز عن الخمر المردّد بين هذين الإنائين ) فيجب عليه الاجتناب عن الإنائين قطعا .
وكذلك في المقام ، إذ ( لا فرق بين هذا الخطاب وبين أدلّة المحرّمات الثابتة في الشريعة إلّا العموم والخصوص ) حيث يكون المحرّم بأمر المولى في المثال خصوص فرد الخمر المردّد بين الإنائين ، وبأمر الشارع كلّي الخمر كما في شرح الأستاذ الاعتمادي بتلخيص .
ثمّ إنّ القائلين بعدم وجوب الموافقة القطعيّة احتجوا بوجوه :
منها : ما أشار إليه بقوله :
( فإن قلت : أصالة الحلّ في كلا المشتبهين جارية في نفسها . . . إلى آخره ) .
وحاصل هذا الوجه ، هو أنّ أدلّة الحلّ تشمل أطراف العلم الإجمالي كما تشمل الشبهات البدويّة ، فتدلّ على حلّية كلّ واحد من المشتبهين ، إذ كلّ واحد منهما ممّا لم يعلم أنّه حرام بعينه ، إلّا أنّها معارضة لما دلّ على الحرمة ، كقول الشارع : اجتنب عن الخمر ، حيث يجب الاجتناب عن الخمر المردّد بين الإنائين .
( وغاية ما يلزم في المقام تعارض الأصلين ) .