ذات يوم سأل أصحابه ( قائلا ) : أتحمل عناءكم منذ عمر طويل ألم يصبح أي شخص منكم لائقا ؟ فقال أحدهم : غزا فلان عدة غزوات ، قال : أيكون غازيا ويكون لائقا عندي ! قالوا : بذل فلان أموالا طائلة ، فقال : أيكون سخيا ويكون لائقا لدى ! قالوا : حج فلان كثيرا قال : أيكون حاجا ، ويكون لائقا في نظري .
فقالوا : لا ندري ، اشرح لنا إذن من هو اللائق لديك ؟ قال : من لا يخاف سوى اللّه ، ولا يأمل إلا فيه .
ووصل كرمه إلى حد أن امرأة جاءت إليه ذات يوم ، وسألته عن مسألة ، فخرج منها صوت ( ريح ) ، قال حاتم : ارفعى صوتك فإنني أصم كي لا يخجلها ، فرفعت العجوز صوتها فأجابها في تلك المسألة 367 . وكانت تلك العجوز قد عمرت ما يقرب من خمسة عشر عاما ، جعل نفسه فيها أصم حتى لا يقل شخص للعجوز أنه ليس كذلك . ولما توفيت العجوز أجاب الكلام ذي الصوت الخفيض حينئذ ، وكان قبل ذلك يقول لكل من كان يتحدث معه ، ارفع صوتك ، ولهذا السبب سمى بالأصم .
يروى : أن حاتما كان يعظ في مجلس بلخ ذات يوم ، وكان يقول : إلهي ، اغفر لمن هو أكثر ذنبا في هذا المجلس ، وأسود صحيفة وأجرأ على الذنوب .
كان رجلا يعمل نباشا حاضرا في ذلك المجلس ، وكان قد شق كثيرا من القبور ، وسرق الأكفان ولما حل الليل ، ذهب للنباشة كعادته ، وعندما رفع التراب من على القبر ، سمع صوتا من اللحد : ألا تخجل ، فقد غفر لك في مجلس الأصم بالأمس ، وتستمر في عملك هذه الليلة أيضا ، فنهض النباش من التراب ، وذهب إلى حاتم ، وقص القصة ، وتاب .
يقول سعد بن محمد الرازي 368 : تتلمذت على يد حاتم عدة أعوام ، ولم أره غاضبا قط إلا عندما كان قد ذهب إلى السوق ذات مرة ، فرأى واحدا كان
تذكرة الأولياء — صفحة 498
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٤٩٨