فإن قيل : وما كانت الحاجة إلى الفاء في جواب الشرط ؟
فالجواب أنه إنما دخلت الفاء في جواب الشرط توصلا إلى المجازاة بالجملة المركبة من المبتدأ والخبر ، أو الكلام الذي قد يجوز أن يبتدأ به ، فالجملة في نحو قولك : إن تحسن إليّ فالله يكافئك ، لولا الفاء لم يرتبط أول الكلام بآخره ، وذلك أن الشرط والجزاء " 1 " لا يصحان إلا بالأفعال ، لأنه إنما يعقد وقوع فعل بوقوع فعل غيره ، وهذا معنى لا يوجد في الأسماء ولا في الحروف ، بل هو من الحروف أبعد ، فلما لم يرتبط أول الكلام بآخره ، لأن أوله فعل ، وآخره اسمان ، والأسماء لا يعادل بها الأفعال ، أدخلوا هناك حرفا يدلّ على أن ما بعده مسبب عما قبله ، لا معنى للعطف فيه ، فلم يجدوا هذا المعنى إلا في الفاء وحدها ، فلذلك اختصّوها من بين حروف العطف ، فلم يقولوا : إن تحسن إليّ والله يكافئك ، ولا : ثم الله يكافئك .
ومن ذلك قولك : إن يقم فاضربه ، فالجملة التي هي اضربه : جملة أمرية ، وكذلك إن يقعد فلا تضربه ، فقولك : لا تضربه جملة نهيية ، وكل واحدة منهما يجوز أن يبتدأ بها فتقول : اضرب زيدا ، ولا تضرب عمرا ، فلما كان الابتداء بهما مما يصحّ وقوعه في الكلام ، احتاجوا إلى الفاء ، ليدلّوا على أن مثالي الأمر والنهي بعدها ليس على ما يعهد في الكلام من وجودهما مبتدأين غير معقودين بما قبلهما ، ومن هنا أيضا احتاجوا إلى الفاء في جواب الشرط مع الابتداء والخبر ، لأن الابتداء مما يجوز أن يقع أوّلا غير مرتبط بما قبله .
هذا مع ما قدمناه من أن الأفعال لا يعادل بها الأسماء .
ويزيد ما ذكرته لك وضوحا من أن جواب الشرط سبيله " 2 " ألا يجوز الابتداء به ، أنك لو قلت مبتدئا : فالله يكافئك ، لم يجز ، كما لا يجوز أن تبتدئ فتقول : فزيد جالس ، وكذلك لا يجوز أن تبتدئ أيضا فتقول : فاضرب زيدا ، ولا فلا تضرب محمدا ، لأن الفاء حكمها أن تأتي رابطة ما بعدها بما قبلها ، فإذا استؤنفت مبتدأة فقد انتقض " 3 " شرطها . وهذا كله غير جائز أن يبتدأ به ، كما أن الفعل المجزوم لا يجوز
هامش
( 1 ) الجزاء : يقصد به هنا جواب الشرط .
( 2 ) سبيله : طريقه في العمل .
( 3 ) انتقض : يقصد : انتفى شرط عملها .