التي استقطبت طلاب المعرفة من جميع النواحي فترة من الزمن تناهز خمس سنوات ، ما لبث أن أحس برغبة جامحة تغريه بالاستزادة من المعرفة التي كلما تعمق فيها الإنسان شعر بفادح جهله .
وهكذا فقد سافر يحظيه من جديد نحو محظرة أهل محمد سالم المجلسيين في تيرس ، ولم يكن أحد يصدق ذلك ، والمدرسة المذكورة توجد في أقصى الحدود الشمالية للمنطقة التي يسكنون بها ، إلى جانب ما يترتب على السفر من مشقة ومكث مع شيخها سنتين وسبعة أشهر لم يكن يشتغل فيها بغير طلب العلم . وكان يلزم خيمة التلاميذ لا يكاد يخرج منها إلا إلى المسجد . وكلف نفسه مشقة التحصيل في كل أيام الأسبوع ، إذ كان يرفض الاستمتاع بالعطلة الأسبوعية للمحظرة وكان القوم بدوا رحلا ينتجعون أماكن الكلأ ، ويدرّس شيخ المحظرة وهو راكب على ظهر دابته المحملة بصناديق الكتب ، بينما يسير الطلاب على أقدامهم بمحاذاة الجمل الذي يقل عميد المحظرة ، وهكذا فقد كانت هذه المدرسة متنقلة ، ومع ذلك فقد صمد يحظيه أمام هذه الظروف .
وكثيرا ما كان يردد الأبيات التالية :
ولم تك ممن أدرك المجد بالمنى * ولكن بأيام أشبن النواصيا
لبست لهم كدر العجاج وإنما * ترى صافيا أن لا ترى الجو صافيا
وخلال مقامه في مدرسة أهل محمد سالم ، أعاد يحظيه دراسة الفقه حتى أتقنه وأجاده ، كما كان يدرّس طلاب هذه المدرسة النحو .
بعد هذه الرحلة الشاقة عاد العلامة يحظيه إلى مسقط رأسه حيث أسس محظرته من جديد ، وواصل مزاولة نشاطه العلمي الذي تجسد أساسا في التدريس والقضاء .
فمحظرته في القبلة ظلت أكثر من نصف قرن مورد نوابغ الطلبة ومصدر أعلام الأساتذة ، ابتكر لها شيخها الفذ منهجا في الدراسة يجمع بين التوسع في دراسة النصوص باستقصاء كل الأقوال في شروح الخلاصة ، مع الحرص على ترسيخها