تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
سيرة السلف الصالحين ، فلقد كانوا مع ما وفقوا له من الخائفين . ثم انظر إلى سيد المرسلين فإنه كان من أمره على يقين ، إذ كان سيد النبيين وقائد المتقين ، واعتبر كيف كان كربه عند فراق الدنيا ، وكيف اشتد أمره عند الانقلاب إلى جنة المأوى . قال ابن مسعود رضي اللّه عنه : دخلنا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في بيت أمنا عائشة رضي اللّه عنها حين دنا الفراق ، فنظر إلينا فدمعت عيناه صلّى اللّه عليه وسلم ثم قال : « مرحبا بكم حياكم اللّه ، آواكم اللّه ، نصركم اللّه وأوصيكم بتقوى اللّه ، وأوصي بكم اللّه ، إني لكم منه نذير مبين أن لا تعلوا على اللّه في بلاده ، وعباده وقد دنا الأجل ، والمنقلب إلى اللّه وإلى سدرة المنتهى وإلى جنة المأوى وإلى الكأس الأوفى ، فاقرأوا على أنفسكم وعلى من دخل في دينكم بعدي مني السلام ورحمة اللّه » .
شرح
بعد أن تنظر إلى سيرة السلف الصالحين ، فلقد كانوا مع ما وفقوا له من الخائفين ، ثم انظر إلى سيد المرسلين ) صلّى اللّه عليه وسلم ( فإنه كان من أمره على يقين ، إذ كان سيد النبيين وقائد المتقين ، واعتبر كيف كان كربه عند فراق الدنيا ! وكيف اشتد أمره عند الانقلاب إلى جنة المأوى ) ، لما أن الموت مكروه بالطبع لما فيه من الشدة والمشقة العظيمة ، ولذا لم يمت نبي من الأنبياء حتى يخير ، وأوّل ما أعلم النبي صلّى اللّه عليه وسلم من انقضاء عمره باقتراب أجله بنزول سورةإِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُفإن المراد من هذه السورة أنك يا محمد إذا فتح اللّه عليك البلاد ودخل الناس في دينك الذي دعوتهم إليه أفواجا ، فقد قرب أجلك فتهيأ للقائنا بالتحية والاستغفار ، فإنه قد حصل منك مقصود ما أمرت به من أداء الرسالة والتبليغ ، وما عندنا خير لك من الدنيا فاستعد للنقلة إلينا ، وقد قيل : إن هذه السورة آخر سورة نزلت يوم النحر وهو صلّى اللّه عليه وسلم بمنى في حجة الوداع ، وقيل عاش بعدها إحدى وثمانين يوما . وعند ابن أبي حاتم من حديث ابن عباس عاش بعدها تسع ليال ، وعن مقاتل سبعا ، وعن بعضهم ثلاثا ، ولأبي يعلى من حديث ابن عمر نزلت هذه السورة في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع ، فعرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه الوداع . وروى الطبراني من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه السورة نعيت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نفسه فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادا في أمر الآخرة ، وما زال صلّى اللّه عليه وسلم يعرض باقتراب أجله في آخره فإنه لما خطب في حجة الوداع قال للناس : « خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا » وطفق يودع الناس فقالوا : هذه حجة الوداع . ( قال ابن مسعود ) رضي اللّه عنه : ( دخلنا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في بيت أمنا عائشة رضي اللّه عنها حين دنا الفراق ، فنظر إلينا فدمعت عيناه صلّى اللّه عليه وسلم ثم قال : « مرحبا بكم حياكم اللّه ، أواكم اللّه ، نصركم اللّه ، أوصيكم بتقوى اللّه ، وأوصي بكم اللّه ، إني لكم منه نذير مبين ، أن لا تعلوا على اللّه في بلاده وعباده وقد دنا الأجل والمنقلب إلى اللّه وإلى سدرة المنتهى وإلى جنة المأوى والكأس الأوفى ، فاقرأوا على أنفسكم وعلى من دخل في دينكم بعدي مني السلام ورحمة اللّه » ) . قال العراقي : رواه البزار وقال : هذا الكلام قد روي عن مرة عن عبد اللّه من غير