واردون ثم لا ينجو منها إلا المتقون ، فنحن للورود مستيقنون ، وللصدور عنها متوهمون ، لا بل ظلمنا أنفسنا إن كنا كذلك لغالب الظن منتظرين ، فما نحن واللّه من المتقين ، وقد قال اللّه رب العالمين :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
[ مريم : 71 ، 72 ] فلينظر كل عبد إلى نفسه أنه إلى الظالمين أقرب أم إلى المتقين ؟ فانظر إلى نفسك بعد أن تنظر إلى
شرح
ينجو منها إلا المتقون ، فنحن للورود متيقنون ، وللصدور عنها متوهمون ) . روى ابن المبارك وأحمد كلاهما في الزهد ، وابن عساكر عن بكر بن عبد اللّه المزني قال : لما نزلت هذه الآيةوَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها[ مريم : 71 ] ذهب عبد اللّه بن رواحة إلى بيته فبكى ، فجاءت المرأة فبكت ، وجاء أهل البيت فجعلوا يبكون ، فلما انقطعت عبرتهم قال : يا أهلاه فما الذي أبكاكم ؟
قالوا : لا ندري ولكن قد رأيناك بكيت فبكينا . قال : أنزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم آية ينبئني فيها ربي تبارك وتعالى أني وارد النار ، ولم ينبئني أني صادر عنها فذلك الذي أبكاني . وروى أبو نعيم في الحلية عن عروة بن الزبير قال : لما أراد ابن رواحة الخروج إلى أرض مؤتة من الشام أتاه المسلمون يودعونه فبكى فقال : واللّه ما بي حب الدنيا ولا ضنانة بكم ، ولكني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قرأ هذه الآيةوَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُهافقد علمت أني وارد النار ولا أدري كيف الصدر بعد الورود . وروى ابن المبارك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وهناد معا في الزهد ، وعبد بن حميد والحاكم والبيهقي في البعث عن قيس بن أبي حازم قال : بكى عبد اللّه بن رواحة فقالت امرأته :
ما يبكيك ؟ قال : إني أنبئت إني وارد النار ولم أنبأ أني صادر . وروى ابن أبي شيبة عن الحسن قال :
كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا التقوا يقول الرجل لصاحبه : هل أتاك أنك وارد ؟ فيقول : نعم .
فيقول : هل أتاك أنك خارج ؟ فيقول : لا . فيقول : ففيم الضحك إذا ؟ وروى ابن المبارك وهناد عن أبي ميسرة أنه أوى إلى فراشه فقال : يا ليت أمي لم تلدني ، فقالت امرأته : يا أبا ميسرة إن اللّه قد أحسن إليك هداك إلى الإسلام ، فقال : أجل ولكن اللّه قد بيّن لنا أنا واردون النار ولم يبين أنا صادرون عنها . وروى ابن المبارك عن الحسن قال ، قال رجل لأخيه : يا أخي هل أتاك أنك وارد النار ؟ قال : نعم . قال : فهل أتاك أنك خارج منها ؟ قال : لا . قال : ففيم الضحك ؟ فما رؤي ضاحكا حتى مات .
( لا بل ظلمنا أنفسنا إن كنا كذلك لغالب الظن منتظرين ، فما نحن واللّه من المتقين ، وقد قال اللّه رب العالمينوَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُهاأي داخلها كما قاله ابن عباس وابن مسعود ، وروى ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : ورود المسلمين المرور على الجسر بين ظهرانيها ، وورود المشركين أن يدخلوها .كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّاأي قسما واجبا .ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّاأي على ركبهم ولا يجلس الرجل جاثيا إلا عند كرب نزل به . ( فلينظر كل عبد إلى نفسه أنه إلى الظالمين أقرب أم إلى المتقين . فانظر إلى نفسك