والطواف وأشعرت المناسك لإقامة ذكر اللّه تعالى ، فإذا لم يكن في قلبك للمذكور الذي هو المقصود والمبتغى عظمة ولا هيبة فما قيمة ذكرك » . وقال صلّى اللّه عليه وسلم للذي أوصاه :
« وإذا صليت فصلّ صلاة مودع » أي مودع لنفسه مودع لهواه مودع لعمره سائر إلى مولاه ، كما قال عز وجل :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
[ الانشقاق : 6 ] ، وقال تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
[ البقرة :
شرح
قلت : وقد روي هذا مرفوعا من حديث علي أخرجه الدارقطني في الافراد ولفظه « يقول اللّه تعالى إنما أتقبل الصلاة » فساقه وفيه : ولم يبت مصرا على خطيئة وفيه ويطعم الجائع ويؤوي الغريب ويرحم الصغير ويوقر الكبير فذلك الذي يسألني فاعطيه ويدعوني فاستجيب له ويتضرع إليّ فارحمه فمثله عندي الخ . وسيأتي للمصنف قريبا هذا السياق بعينه عن ابن عباس مع اختلاف يسير . ثم قال صاحب القوت . فهذه أوصاف التوابين ، المستقيمين على التوبة الذاكرين المنيبين إلى اللّه تعالى ، المتواضعين المتباذلين في اللّه تعالى وهم المتقون الزاهدون .
( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « إنما فرضت الصلاة وأمر بالحج والطواف وأشعرت المناسك لإقامة ذكر اللّه تعالى ) وفي القوت : وروى معنى الآية أي قوله تعالى :وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِيعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إنما فرضت ثم ساقه إلى آخره . وقال العراقي : أخرجه أبو داود والترمذي من حديث عائشة بنحوه دون ذكر الصلاة . قال الترمذي : حسن صحيح اه . ثم قال صاحب القوت : ( فإذا لم يكن في قلبك للمذكور الذي هو المقصود ) الأعظم ( والمبتغى ) أي المطلوب الأهم ( عظمة ولا هيبة ) ولا إجلال مقام ولا حلاوة افهام ( فما قيمة ذكرك » ) .
فإنما صلاتك حينئذ كعمل من أعمال دنياك ، وقد جعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الصلاة قسما من أقسام الدنيا إذا كان المصلي على مقام من الهدى فقال « حبب إليّ من دنياكم » ذكر منها الصلاة فهي دنيا لمن كان همه الدنيا وهي آخرة لأبناء الآخرة وهي صلة ومواصلة لأهل اللّه عز وجل البر الوصول . ( و ) قد ( قال صلّى اللّه عليه وسلم ) وقد رأى أنس بن مالك رضي اللّه عنه رجلا يتوضأ فقال :
( « إذا صليت فصل صلاة مودع » ) هكذا في القوت . قال العراقي : أخرجه ابن ماجة من حديث أبي أيوب ، والحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص . وقال : صحيح الاسناد . والبيهقي في الزهد من حديث ابن عمر ومن حديث أنس بنحوه اه .
قال تلميذه الحافظ : وأخرجه أيضا أبن أبي حاتم من حديث أنس ، ثم قال صاحب القوت :
( أي مودع لنفسه مودع لهواه مودع لعمره سائر إلى مولاه ) ، والحديث يحتمل هذه المعاني ، ثم قال صاحب القوت : ( كما قال عز وجل :يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ )[ الانشقاق : 6 ] قال أبو إسحاق الزجاج : الكدح السعي والحرص والدأب في العمل في باب الدنيا والآخرة ، وكدح الإنسان عمل لنفسه خيرا أو شرا ، وبه فسرت الآية . ( وقال تعالى :وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [ البقرة : 282 ] تقدم تفسير هذه الآية في كتاب العلم .