نحوه تأهب لمحاربته ، واستعد لمجاذبته « 1 » وضم إليه أطرافه « 2 » ، وجدّ في التألب « 3 » عليه ، وجمع له العدة « 4 » ، في أسرع مدة ، من الفيلة المعدة « 5 » للحروب ، والسباع المضرّاة « 6 » بالوثوب ، مع الخيول المسرجة ، والسيوف القواطع ، والحراب اللوامع .
فلما قرب ذو القرنين من « فور » الهندي ، وبلغه ما قد أعد له من الخيل التي كأنها قطع الليل ، مما لم يلقه بمثله أحد من الملوك الذين كانوا في الأقاليم ، تخوّف ذو القرنين من تقصير يقع به إن عجل المبارزة .
وكان ذو القرنين رجلا ذا حيل ومكايد ، مع حسن تدبير وتجربة ، فرأى « 7 » إعمال الحيلة والتمهل ، واحتفر خندقا على عسكره ، وأقام بمكانه ، لاستنباط الحيلة والتدبير لأمره ، وكيف ينبغي له أن يقدم على الإيقاع « 8 » به ، فاستدعى بالمنجمين ، وأمرهم بالاختيار ليوم موافق ، تكون له فيه سعادة لمحاربة ملك الهند والنصرة عليه ، فاشتغلوا بذلك .
وكان ذو القرنين لا يمر بمدينة إلا أخذ الصنّاع المشهورين من صناعها بالحذق من كل صنف ، فنتجت له همته ، ودلته فطنته أن يتقدم إلى الصناع « 9 » الذين معه ، أن يصنعوا خيلا من نحاس مجوفة ، عليها تماثيل من الرجال . على بكر تجري ، إذا دفعت مرّت سراعا . وأمر ، إذا فرغوا منها ، أن تحشى أجوافها بالنفط والكبريت وتلبس وتقدم أمام الصف في القلب . ووقت ما يلتقي الجمعان تضرم فيها النيران ، فإن الفيلة إذا لفت خراطيمها على الفرسان وهي حامية ولت هاربة . وأوعز إلى الصناع بالتشمير « 10 » والانكماش « 11 » والفراغ منها . فجدوا في ذلك
هامش
( 1 ) مجاذبته : منازعته
( 2 ) أطرافه : اي جمع ما تفرق من قواه
( 3 ) التألب : التجمع
( 4 ) جمع العدة : ما يعد من مال وسلاح ونحوهما
( 5 ) المعدة : المهيأة
( 6 ) المضراة :
المعودة عليه
( 7 ) رأى : من الرأي .
( 8 ) الايقاع : الغدر والبطش
( 9 ) يتقدم :
يأمرهم ويوصيهم . والصناع : أصحاب الحرف والصناعة
( 10 ) التشمير : الجد والعمل المتواصل
( 11 ) الانكماش : الاسراع والجد .