أنت الآن بصدد معرفته .
درجت أعدو إلى المكتبة ، علّني أعثر على كتب الفقه الإسلامي هذه . أعدو ، ويعدو معي شوقي وحاجتي . وما ان وقعت عيناي عليها حتى اسرتني فرحة غامرة هزت كياني كله هزا عنيفا ، أو هكذا خيّل اليّ .
- ها هي ذي كتب الفقه الإسلامي ، لقد وصلت أخيرا إلى غايتي .
سأقرؤها ، وسأجد فيها إجابات شافية عن أسئلتي . وسأستريح .
وعدت إلى غرفتي لهفان مسرعا ، مزهوا بما أنجزت ، فتحت الباب على عجل ، ودخلت الغرفة على عجل ، وفتحت كتابي على عجل . وما ان بدأت أقرأ حتى ارتسمت على ملامحي خطوط من غرابة متوحشة أول الأمر ، سرعان ما تحولت إلى دهشة مكتومة ، ثم استقرت متخذة شكل وجع حارق متوهج مؤلم .
لقد وجدت نفسي اقرأ كثيرا ، ولا أفهم شيئا ذا بال مما قرأت .
ترى : كيف لي ان أعالج حيرتي ، وحيرتي من نوع خاص غير مألوف .
وكابرت . قلت فلاواصل القراءة ، ومحاولة الفهم ، وإعادة القراءة ، وإعادة محاولة الفهم ، علّني استفيد .
ومرّ الوقت ثقيلا ، بطيئا ، متأنيا ، كان صدري يرزح خلاله تحت ثقل ضاغط ، جاثم . لا ينفك يطاردني ويضيق خناقه علي ، وبين يدي الكتاب وإذا أتلو ، ثم أتلو ، ثم أعيد تلاوة ما تلوت ، ولا أفهم شيئا .
وبدأت سحب الخيبة تتجمع حولي شيئا فشيئا ، ثم راحت تتحول تدريجيا إلى ما يشبه سحابة من حزن شفيف تطلع بين عيني .
حواريات فقهية — صفحة 36
مساهمون: السيد محمد سعيد الحكيم
ص٣٦