نشأت الحمارنة
28
تاريخ أطباء العيون العرب
وهذه ظاهرة « سجلها » معظم المؤرخين ، وان كان الذين فهموها ظل عددهم محدودا ، لأنهم لم يفهموا روح الاسلام الحقيقية ، ولم يفهموا التكوين الحضاري للأمة العربية . وظل مفهوم الدين بالنسبة إليهم هو مفهوم « الدين » كما عرفوه في أوربا ، وظل مفهوم القومية عندهم هو مفهوم « القومية » كما عرفوه في أوروبا ، ولم يتمتع هؤلاء المؤرخون الذين ربما كان بعضهم قد أحب العرب ، وأحب المسلمين ، لم يتمتع بفهم هذه الظاهرة التاريخية ، التي ربما انفردت بها أمتنا بين الأمم . لذلك فنحن العرب ، نحس بأننا ورثة كل هذه الحضارات التي ازدهرت على أرضنا ، بدءا من سومر في أقصى الشرق ، ومرورا بمصر القديمة ، إلى أقصى جبال الأطلس ، وصحراء إفريقيا . ونحس كذلك بأن هؤلاء جميعا هم أجدادنا . وهذا لا يتناقض مع احساسنا العارم بالعروبة ، بل يغذيه ويغنيه ، ويعطيه معنى انسانيا رفيعا . وعلى هذا فان امحوتب الطبيب الذي اشتهر في مصر القديمة ، حتى الهّه الناس بعد وفاته هو جدنا ، تماما كما هو حنين بن إسحاق « البدوي » الذي جاء من الحيرة أو يوحنا بن ماسويه « السرياني » الذي جاء من جنديسابور ، أو الرازي الذي جاء من إيران ، وماسرجويه البصري اليهودي هو جدنا أيضا ، مثلما علي بن عيسى كحال بغداد النصراني ، هو جدنا أيضا ، يقفان على نفس المستوى مثلهما مثل ثابت بن قره الصابئي أو ابن النفيس الفقيه المسلم . هذا الاحساس ، يعطي لقوميتنا العربية ، طعما خاصا ، انسانيا ، لا يكاد يحس به ولا يفهمه كثير من المؤرخين الأجانب الذين حاولوا أن يؤرخوا للعلوم العربية . هذا الاحساس هو ثمرة تربية سامية ، وتعاليم نبيلة ، جاء بها الاسلام . ولقد أردت في هذه المقدمة السريعة أن أعرض فهمي المتواضع لمعنى « عرب » ولمعنى « العلوم العربية » « والطب العربي » .