نشأت الحمارنة
16
تاريخ أطباء العيون العرب
وموضوع جراحة العين هذا الذي نسمع عنه في بلاد الرافدين لا نرى مقابله في مصر القديمة ( في حدود وثائقنا ) . ولقد تطورت حضارتا الرافدين ومصر ، في نفس الوقت تقريبا ، لذلك فإننا نلمس التشابه الشديد بين الحضارتين ، هذا التشابه الذي جاء أيضا نتيجة للجوار والصلات الواسعة في زمني السلم والحرب ، هذا التشابه الذي يجعل وصف أمراض العين في كلا الحضارتين متقاربا . حتى أسماء الاعراض والأمراض تعطينا أمثلة من التشابه ، كضعف البصر ، وألم العين ، والتهابها ، والدماع ، والنزف تحت الملتحمة . ولقد لاحظ مؤرخو الطب تأثر الفرس بكلتا هاتين الحضارتين حينما دخلت جيوشهم إلى بلادنا ، وكذلك لاحظوا انتقال هذه المعلومات الطبية مترجمة إلى الأرامية أولا ، ثم إلى الإغريقية أيام الاحتلال اليوناني . كما أشاروا إلى الروح العظيمة لهذه الأمجاد العلمية الآتية من الشرق ، والتي سطعت وتوهجت وأنارت الطريق للحضارات اللاحقة ، وتابعوا أيضا من خلال دراساتهم التاريخية والمقارنة هذه الترجمات المتسلسلة للمعارف التي سموها « بالمعارف الشرقية » اي معارف بلادنا من وادي النيل وبلاد ما بين النهرين . ولقد ظهر باحصاء المصطلحات الفنية في طب العين ( أسماء الاعراض وأسماء الأمراض ) . ان أجدادنا في مصر القديمة وفي العراق القديم ذكروا في وثائقهم الطبية التي وصلت الينا ما يقارب الثلاثين مصطلحا ، وإذا كان عهد هذه المدونات الطبية يعود إلى القرن السادس عشر قبل الميلاد ، فان مصدرها الحقيقي هو الألفان الرابع والثالث قبل الميلاد . ونظرا لندرة الوثائق المتوفرة لنا عن هذه الحقيقة القديمة ، فإنه يتعذر علينا ان نتابع عملية تطور المعرفة الطبية في هذه الفترة من حياة شعبنا .