السيد محمد الحسيني الشيرازي

16

من الآداب الطبية

فقال المفضل : فقلت : يا مولاي فقد رأيت من يبقى على حالته ولا ينبت الشعر في وجهه وإن بلغ حال الكبر ؟ فقال : ذلك بما قدمت أيديهم وإن اللّه ليس بظلام للعبيد ، فمن هذا الذي يرصده حتى يوافيه بكل شيء من هذه المآرب إلا الذي أنشأه خلقا بعد أن لم يكن ، ثم توكل له بمصلحته بعد أن كان ، فإن كان الإهمال يأتي بمثل هذا التدبير فقد يجب أن يكون العمد والتقدير يأتيان بالخطأ والمحال ، لأنهما ضد الإهمال وهذا فظيع من القول وجهل من قائله ، لأن الإهمال لا يأتي بالصواب والتضاد لا يأتي بالنظام ، تعالى اللّه عما يقول الملحدون علوا كبيرا . ولو كان المولود يولد فهما عاقلا لأنكر العالم عند ولادته ، ولبقي حيران تائه العقل إذا رأى ما لم يعرف ، وورد عليه ما لم ير مثله ، من اختلاف صور العالم من البهائم والطير إلى غير ذلك مما يشاهده ساعة بعد ساعة ، ويوما بعد يوم . واعتبر ذلك بأن من سبي من بلد إلى بلد وهو عاقل يكون كالواله الحيران ، فلا يسرع في تعلم الكلام وقبول الأدب كما يسرع الذي يسبى صغيرا غير عاقل ، ثم لو ولد عاقلا كان يجد غضاضة إذا رأى نفسه محمولا مرضعا معصبا بالخرق مسجى في المهد لأنه لا يستغني عن هذا كله ، لرقة بدنه ورطوبته حين يولد ، ثم كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل ، فصار يخرج إلى الدنيا غبيا غافلا عما فيه أهله ، فيلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة ، ثم لا يزال يتزايد في المعرفة قليلا قليلا وشيئا بعد شيء وحالا بعد حال حتى يألف الأشياء ويتمرن ويستمر عليها ، فيخرج من حد التأمل لها والحيرة فيها إلى التصرف والاضطراب ، إلى المعاش بعقله وحيلته ، وإلى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية ، وفي هذا أيضا وجوه أخر ، فإنه لو كان يولد تام العقل مستقلا بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد ،