محمد كامل حسين
286
الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب
وقد سمى المهندس ابنه « جالينوس » الذي معناه « المسالم أو الهادىء » فصدق اختياره إذ وصل جالينوس إلى مرتبة عالية من الخلق ومن النبل ، فوقى بعهده بأن يقتفى آثار والده . ولكن ليس من المؤكد أن يكون قد نجح في أن يتخلص تماما من الطبع الذي ورثه من أمه . فقد تذكر بعض مناظراته العلمية بجو العواصف العنيفة التي كانت تهب ، من حين إلى آخر ، في منزل والديه . وقد كانت برجامون في ذلك الحين مدينة ثقافة عالية لا تسبقها إلا الإسكندرية فقط فأتاحت لجالينوس أن يتثقف ثقافة فلسفية وطبية . فاعتنق المذاهب الفلسفية السائدة وهي مزيج من آراء أرسطو وأفلاطون والرواقية والأبيقورية وقام برحلات علمية إلى آسيا الصغرى والإسكندرية ومراكز طبية أخرى . ولقد درس في مدرسة الإسكندرية واشتغل بالتدريس فيها ثم عاد إلى وطنه . وعند عودته إلى برجامون عين جراحا لدى المصارعين Gladiators وبعد إقامة سنوات في مسقط رأسه ، دفعه طموحه إلى أن يذهب إلى روما حيث ظفر بسرعة على صيت لامع طبيبا وأستاذا في التشريح . وكان من بين الذين عالجهم الإمبراطور أوريليوس أنطونينوس نفسه . ولكن الحرب الشعواء التي أعلنها جالينوس ضد أطباء روما المشعوذين أو الجهلاء أثارت ضده عددا كبيرا منهم . فاضطر إلى أن يعود إلى برجامون . ولكن ألح عليه مرقص أريليوس أن يعود مرة ثانية إلى العاصمة . فأذعن ومكث فيها إلى آخر حياته سنة 201 ب . م . ألف جالينوس عددا كبيرا من الكتب الشاملة لجميع أقسام الطب في زمانه كما ألف كتبا فلسفية . وكان إعجابه بأبقراط عظيما جدا ففسر أهم كتبه . وقد اقتفى آثاره فأبدى اهتماما كبيرا للفحص الإكلينيكى مستندا قبل كل شئ على الوقائع الملموسة . غير أن ثقافته الفلسفية كانت تغلب