أحمد ابراهيم الهواري

58

من تاريخ الطب الإسلامي

الأمور الطبيعية كعلم الاستقصات والأمزجة والأخلاط وتشريح الأعضاء ولا العلاج باليد ولا ذكر ما ذكره من ذلك على ترتيب ونظام ولا على وجه من وجوه التعاليم ولا جزاء بالمقالات والفصول والأبواب . والذي يقع لي من أمره وأتوهمه على ما يوجبه القياس من علمه ومعرفته لصناعة الطب وتصنيف الكتب وفهمه في هذا الكتاب إحدى الحالتين : إما أن يكون وضعه وذكر فيه ما ذكر من جميع علم الطب ليكون تذكرة له خاصة يرجع إليه فيما يحتاج من حفظ الصحة ومداواة الأمراض عند الشيخوخة ووقت الهرم أو النسيان أو خوفا من آفة تعرض لكتبه فيعتاض منها بهذا الكتاب ، وكذلك لكثرة تجريده التآليف من التعظيم ، وإما أن ينتفع الناس به ويكون له ذكر حسن من بعده ، فعلق جميع ما ذكره فيه تعليقا ليعود فيه فينظمه ويرتبه ويضيف كل نوع منه إلى ما يشاكله ويثبته في بابه على ما يليق بمعرفته لهذه الصناعة فيكون الكتاب بذلك كاملا تاما فعاقه عن ذلك عوائق وجاءه الموت قبل إتمامه ؛ فإن كان إنما قصد به هذا الباب فقد طول فيه الكلام وعظمه من غير حاجة اضطرارية دعته إلى ذلك حتى قد عجز أكثر العلماء عن نسخه واقتنائه إلا اليسير من ذوى اليسار من أهل الأدب فقل وجوده ، وذلك أنه ذكر في صفة كل واحد من الأمراض وأسبابه وعلاقاته ومداواته ما قاله كل واحد من الأطباء القدماء والمحدثين في ذلك المرض من ابقراط وجالينوس إلى إسحق بن حنين ومن كان بينهما من الأطباء القدماء والمحدثين ولم يترك شيئا مما ذكر كل واحد منهم من ذلك إلا أورده في هذا الكتاب . وعلى هذا القياس فقد صارت جميع كتب الطب محصورة في كتابه هذا . وأما أنا فإني أذكر في كتابي هذا جميع ما يحتاج إليه في حفظ الصحة ومداواة الأمراض والعلل وطبائعها وأسبابها ، والأعراض التابعة لها والعلامات الدالة عليها مما [ لا ] يستغنى الطبيب الماهر عن معرفته إلى أن يقول ( وأنا ممثل لك مثالا للطريق الذي أسلكه في كتابي هذا من صفة الأمراض وأسبابها وعلاماتها ومداواتها وأجعل ذلك في ذات الجنب ) . من كل ما ذكرنا نستطيع أن نفهم مبلغ التطور الفكري والنضج العلمي الذي كان قد بلغه العلماء والأطباء المسلمون في القرنين الثالث والرابع من الهجرة ويعدان في الحقيقة عصر كمال الرقى العلمي لدى المسلمين ، ومن أهم العصور في تاريخ تكامل الثقافة والعلوم عند البشر .