أحمد ابراهيم الهواري
48
من تاريخ الطب الإسلامي
في سوق الوراقين وبيد دلال مجلد ينادى ، عليه فعرضه على فرددته رد متبرم معتقد أن لا فائدة في هذا العلم ، فقال لي : اشتر منى هذا فإنه رخيص أبيعكه وصاحبه محتاج إلى ثمنه فاشتريته بثلاثة دراهم فإذا هو كتاب لأبى نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة ورجعت إلى بيتي وأسرعت إلى قراءته ، فانفتح علىّ في الوقت أغراض ذلك الكتاب ، بسبب أنه كان صار لي محفوظا على ظهر القلب وفرحت بذلك وتصدقت ثاني يومه بشئ كثير على الفقراء شكرا لله تعالى ) . ويفهم من هذا أن الترجمة كانت في بعض الأحيان ضعيفة ورديئة لدرجة أن قريحة كقريحة ابن سينا كانت تحتار في تفهم معناه وتيأس من ذلك . فإن شئنا أن لا نعدو الحق والإنصاف في حكمنا يجدر بنا أن نذكر أن نشر العلوم اليونانية وتعميمها ووضعها في متناول طلبة العلم وتقريبها لفهمهم كان بفضل الطبقة الثانية من المترجمين الذين كانوا قد فهموا تلك العلوم بأنفسهم فهما جيدا . وكانت ترجمتهم واضحة يفهمها طالب العلم بسهولة ، وبفضل هؤلاء وببركة دراساتهم وتحقيقاتهم العلمية وتصحيحهم للتراجم السابقة حلت المشكلات العويصة . أما قول بعض النقاد : أن التراجم لا تفهم دون مراجعة الأصل فمبالغ فيه . يعتقد لوكلرك Leclere أن النقل المباشر من اليونانية إلى العربية حسن بصورة عامة ، والكتب المترجمة بهذه الطريقة مترجمة بذكاء عظيم وقريحة وقادة وذوق سليم ، غير أن النقل من العربية إلى اللاتينية ، وكان يقوم به مترجمون غير ملمين باللغات ، كان ناقصا ومشوها ، فاللذين يحكمون على الترجمات العربية عن طريق ترجماتها اللاتينية قد سلكوا طريقا خطأ . ويذكر لوكلرك مثالا حيا لهذا فيقول : إن بعض أقسام القانون لابن سينا لا يفهم جيدا ، أو قل لا يفهم أبدا باللاتينية ؛ والسبب هو أن المترجم لم يكن يعرف العبارة العربية في الأصل ، أو لم يكن يتقن اللاتينية التي ترجم إليها .