أحمد ابراهيم الهواري
42
من تاريخ الطب الإسلامي
( 3 ) [ نقل الكتب العلمية إلى اللغة العربية ] لقد كان بدء نقل الكتب العلمية إلى اللغة العربية كما ذكرنا آنفا - بعد استقرار الحكم العربي ، وأن أكثر المترجمين كانوا من أمم غير عربية ، وأحيانا من غير المسلمين كالسريان والعبريين ومن الإيرانيين المسلمين منهم ، والنصارى واليهود والمجوس ، غير أن النهضة العلمية الحقيقية بدأت في العصر العباسي ، وكان للإيرانيين حينذاك نفوذ كبير وشأن في الدولة عظيم . ففي هذا العصر ترجمت كتب علمية على درجة كبيرة من الأهمية ، ولا سيما في زمن خلافة المأمون . وكانت أمه وزوجته إيرانيتيين ، وكان نفوذ الإيرانيين قد بلغ في عهده غايته ، ففي هذا العصر حصل العرب بطريق الفتح ، أو بإيفاد بعوث خاصة إلى بلاد الإمبراطورية البيزنطية ، أو بالشراء أو المبادلة على كثير من الكتب اليونانية النفيسة ، أو ترجمتها السريانية ، فجمعوها في مكتبة الخليفة المسماة ( بيت الحكمة ) ، وقام بتعريبها مهرة المترجمين . ويروى بعض المؤرخين المسلمين عن سبب اهتمام المأمون بالعلوم الفلسفية وغيرها قصة ملخصها أن المأمون رأى أرسطو في منامه وسرّ من كلامه ، فرغب في قراءة مؤلفاته . لذلك أحضر كتبه وأمر بترجمتها إلى العربية . ويروى ابن النديم بهذا الشأن هذه الرواية : ( إن المأمون رأى في منامه كأن رجلا أبيض اللون ، مشرّبا حمرة ، واسع الجبهة مقرون الحاجب أجلح الرأس أشهل العينين ، حسن الشمائل ، جالس على سريره . قال المأمون : وكأني بين يديه قد ملئت له هيبة ، فقلت من أنت ؟ قال : أنا أرسطاليس . فسررت به وقلت : أيها الحكيم ، أسألك ؟ قال سل : قلت ما الحسن ؟ قال ما حسن في العقل . قلت ثم ما ذا ؟ قال ما حسن في الشرع ، قلت ثم ما ذا ؟ قال ما حسن عند الجمهور ، . قلت ثم ما ذا ؟ قال ثم لاثم . وفي رواية أخرى قلت زدني ، قال : من نصحك في الذهب ، فليكن عندك كالذهب . وعليك بالتوحيد . وهو يعتقد أن هذا المقام كان من أوكد الأسباب في إخراج الكتب ، غير أننا نرى كما سبق القول في ذلك ، أن ظهور الفلسفة والعلوم في الإسلام كان أمرا طبيعيا وكان من مستلزمات الحضارة ، وأن اتصال المسلمين بالأمم المتحضرة كان يوجب عليهم الاكتساب من علومهم ومعارفهم . وكما أن اللغة اللاتينية كانت لغة العلم في جميع البلاد الأوروبية طوال القرون الوسطى ، أصبحت اللغة العربية بالتدريج ، لغة العلم والعلماء بين المسلمين . وكان العلماء والمسلمون من