أحمد ابراهيم الهواري
39
من تاريخ الطب الإسلامي
المؤلفات اليونانية إلى العربية بعد إسلامه . ويشير ابن النديم في الفهرست ضمن ذكر أسماء مؤلفاته ومقالاته إلى أنه قام بشرح بعض مؤلفات جالينوس الطبية . وعلى أي الأحوال فإنّ من المسلم به أنه قد ترجمت في زمن خالد بن يزيد بن معاوية كتب في الكيمياء والطب وعلوم أخرى من اليونانية . ويذكر ابن النديم مترجما باسم ( اصطفن القديم ) ويقول : إنه قد ترجم كتبا في الصنعة ، أي الكيمياء وغيرها إلى العربية لخالد بن يزيد . وكانت هذه الحقبة مقدمة لظهور العلماء أصحاب الرأي والنظر . ففي عهد المترجمين في القرن الأول الهجري أو بعد ذلك بقليل ، كانت تراجم كتب الطب وسائر العلوم من اليونانية مزيجا من الأصل المترجم عنه مع عادات المسلمين ومبادئ الصحة في الإسلام ، ونادرا ما تجد طبيبا مسلما يبدي رأيا ونظرا خاصا ، بل كانوا على الأغلب الأعم يسيرون على النهج الذي سار عليه القدماء . في حين أنا نجد في العصور التالية أي في عصور النهضة العلمية الإسلامية ، علماء كبارا تجاوزوا مرحلة الترجمة والتتلم ، ذ فكان لهم استقلال في الرأي والنظر . ومع أن أساس معارفهم مقتبس ومأخوذ من علوم اليونان - ومع أنهم معرفون بفضل بقراط وجالينوس اللذين يذكرون دائما أسميهما بكل تجلة واحترام - إلا أن النظر والرأي ظاهران بصورة جلية في مؤلفاتهم . وتجد فيها أحيانا نقدا لآثار القدماء ومؤلفاتهم ، فترى الأطباء المسلمين يقومون بتجارب جديدة في الطب ، وتراهم يطبقون تعاليم طبية مفيدة على المرضى في المستشفيات ، كما ترى منهم شيئا كثيرا من الابتكار والابتداع ولا سيما في طرق العلاج واستعمال الأدوية العقاقير . وقد ترك علماء هذا العهد مؤلفات كثيرة قيمة في هذا الصدد . وفي هذا العهد نرى الرازي يبدي شكوكا على أقوال جالينوس ، كما نرى ابن سينا ينتقد فلسفة المشائين في مقدمة مؤلفه حكمة المشرقيين . وفي هذه العصور أصبحت الأندلس وبغداد من مراكز الطب المهمة . حتى قيل : إنه كان في مكتبة قرطبة وحدها ثلاثمائة ألف مجلد في مختلف العلوم والفنون . ويختلف حكم الناس بالنسبة للخدمة التي أسداها المسلمون لعلم الطب ؛ ففريق يعتقد أنه لو لم توجد الحضارة الإسلامية لضاعت آثار بقراط ، وجالينوس وأمثالهما في ظلام القرون الوسطى ، ولخسرها العالم إلى الأبد ، وأن بقاء هذه الآثار العلمية والمؤلفات كان بفضل وجود