أحمد ابراهيم الهواري

36

من تاريخ الطب الإسلامي

ذلك أن العلوم والفنون ، ومن ضمنها الطب ، لم تتوقف عن التقدم فحسب ، بل عادت القهقرى ثانية ، واستولى على الطب السحر والشعوذة والدجل والخرافات ، وحلت التمائم والعزائم محل العقاقير والأدوية الطبية مرة أخرى . ولم يكن انتشار الدين المسيحي واعتناق الناس له بصورة رسمية في روما الشرقية - الإمبراطورية البيزنطية ) مشجعا للعلماء . إذ إن الكنيسة كانت تعتبر العلم والفلسفة مخالفين للشرع نوعا ما ؛ لذلك قامت بسد أبواب المدارس والقضاء على المجامع العلمية واعتبرت العلماء والفلاسفة كفرة مارقين عن الدين . ففي القرن الخامس للميلاد مثلا أغلقت الكنيسة أبواب مدرسة الرها ( أوس ) وكانت قائمة محل أورفة الحالية - وطردت منها النسطوريين فرحل جماعة منهم إلى إيران والتجأت إليها ، وكان لبعضهم فضل كبير في تقدم مدرسة جنديسابور . وكان هؤلاء - النسطوريون من أتباع نسطوريوس أسقف القسطنطينية الذي نفى منها بناء على طلب المجامع الدينية بتهمة الابتداع في الدين ، والذي مات حوالي سنة 440 ميلادية بمصر ، وتفرق معظم أتباعه وتلاميذه في بلاد سورية وبين النهرين وإيران وعاشوا فيها ونشروا الحضارة اليونانية في أرجائها وفي سائر بلاد الشرق بترجمتهم للمتون اليونانية إلى اللغة السريانية ( الأرامية الحديثة ) وتأسيسهم المدارس في ( الرها ) و ( نصيبين ) وبعض المدن الأخرى ، واشتغال بعضهم بتدريس العلوم المختلفة كالرياضيات والفلسفة والطب وغيرها في مدرسة جنديسابور . وفي القرن السادس للميلاد عندما طرد الفلاسفة الوثنيون الأفلاطونية الحديثة Neo Platenien من الإسكندرية بناء على أمر الإمبراطور جوستنيان الأول واضطهدوا ، أولى هؤلاء وجوههم نحو بلاد المشرق وانضموا إلى النسطوريين . وانضم إليهم كذلك جماعة من اليهود والأقباط ممن كانوا على اطلاع واف على علوم اليونان وقاموا جميعا بنشر العلوم والمعارف اليونانية ومن جملتها الطب في بلاد الشرق . هذا مجمل تطور الطب قبل الإسلام ذكر فيه مقدمة لما نريد أن نبسط فيه القول فيما بعد . وبعد هذه المقدمة ليس في وسعنا أن نفهم بصورة جلية كيف كانت حالة هذه العلوم عندما اتجه نحوها المسلمون وبأية درجة كانت في متناول أيديهم ، وما مبلغ اقتباسهم منها ؛ وأخيرا ما هي الخدمات التي أسداها المسلمون لتلك العلوم وكيف أسديت إليها « 1 » .

--> ( 1 ) - المصدر : الرسالة : 7 مايو 1948 ، ص ص 458 - 461 .