أحمد ابراهيم الهواري

21

من تاريخ الطب الإسلامي

أما المغرب فقد سطع نجم أطبائها كابن رشد ، وابن زهر وخلف بن العباس الزهراوى الشهير بجراح العرب ، وابن جلجل وافد ، وإسحق بن عمران ، وأحمد بن الجزار القيرواني وأضرابهم . وقد ترك هؤلاء تأثيرات علمية ، وسطح نجمهم في الأندلس فوفد إليهم طلبة العلم من بلاد أوروبا للدرس على أيديهم . ويذهب د . قاسم غنى إلى أن معظم الأطباء الكبار من المسلمين في عصر النهضة العلمية كانوا من الفرس ، وكان أطباء هذه الحقبة من أصحاب الرأي والنظر ، ممن وصلوا إلى مرحلة الرشد العلمي ، فتجاوزوا مرحلة التقليد والتسليم لآراء أسلافهم ، إذ كانوا يبذلون غاية الجهد ويعملون رأيهم ، فيميزون بين الصحيح والسقيم من الآراء . وخير مثال لهؤلاء محمد بن زكريا الرازي الذي جمع في مؤلفيه « المنصوري » و « الحاوي » معارف عصره في علوم الطب التي كانت موجودة في زمنه من مؤلفات من سبقه من الأطباء من يونانية وغيرها ، ونقدها نقدا علميا . كما أنه ألف كتابا في الحصبة والجدري ، ولم يكن أحد من الأطباء الذين سبقوه ، قد عرف أن هذين المرضين مرضان مستقلان ، وله غير هذه الكتب رسائل يرصد فيها تجربته الشخصية ومطالعاته ، وخبراته في البيمارستانات ، وجلساته بجانب فراش المرضى ، ورسائل أخرى في المبادئ التي يجب على الطبيب أن يتحلى بها ، وأن يسير بموجبها في ظل احترام أخلاقيات المهنة . ويرسم د . أحمد عيسى صورة دقيقة لما كانت عليه البيمارستانات فقد كانت تنقسم قسمين منفصلين : قسم للذكور وآخر للإناث . وكل قسم مجهز بما يحتاجه من آلات وخدم من الرجال والنساء وفي كل قسم منهما قاعات مختلفة . فقاعة للأمراض الباطنة ، وأخرى للجراحة ، وثالثة للكحالة ، ورابعة للتجبير إلى غير ذلك من القاعات . وكانت هذه الأقسام الخاصة مقسمة بدورها إلى شعب وأقسام فرعية ، مثل الفرع الخاص بالمحمومين ، والفرع الخاص بالممرورين ، أي المجانين ، والفرع الخاص بالمصابين بالأمراض العادية والإسهال إلى غير ذلك . وكانت البيمارستانات تقام في أماكن حسنة الموقع ، طيبة المناخ ، وكان من شروط انتخاب المحل المناسب لبناء البيمارستان أن يكون فيه ماء جار . وكان البيمارستان على نوعين : ثابت ومحمول ، فالثابت ما كان بناء ثابتا في جهة من الجهات لا ينتقل منها . وهذا النوع من البيمارستانات كان كثير الوجود في كثير من البلاد