أحمد ابراهيم الهواري

206

من تاريخ الطب الإسلامي

4 - البيمارستان الكبير النوري ملك السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى دمشق سنة 549 ه 1154 م ، وكان قد أسر بنفسه « 1 » في بعض الغزوات بعض ملوك الفرنج ، فاستشار الأمراء فيه : هل يقتله أو يأخذ منه ما يبذله من المال في الفداء ؛ فاختلفوا عليه ثم حسن له رأيه إطلاقه وأخذ الفداء . فحين جهز بعث الفداء مات ببلده فأعجب ذلك نور الدين وأصحابه ، وأبتنى نور الدين من ذلك المال البيمارستان الذي بنى بدمشق - وهو أحسن ما بنى من البيمارستان بالبلاد ومن شرطه : أنه على الفقراء والمساكين وإذا لم يوجد بعض الأدوية التي يعز وجودها إلا فيه فلا يمنع منه الأغنياء ، ومن جاء إليه مستوصفا فلا يمنع من شرابه . ولهذا جاء إليه نور الدين وشرب من شرابه رحمه الله . ويقول بعض الناس : إنه لم تخمد منه النار منذ بنى إلى زماننا ( أي زمان ابن كثير الذي ننقل عنه هذا الكلام وقد توفى سنة ( 774 ه ) . وقال ابن جبير « 2 » : وقد دخل دمشق سنة 580 : وبها مارستان قديم وحديث والحديث ، أحفلهما وأكبرهما وجرايته في اليوم نحو الخمسة عشر دينارا ، وله قومة وبأيديهم الأزمّة المحتوية على أسماء المرضى وعلى النفقات التي يحتاجون إليها في الأدوية والأغذية وغير ذلك حسبما يليق بكل إنسان منهم ، والأطباء يبكرون إليه في كل يوم ، ويتفقدون المرضى ويأمرون بإعداد ما يصلحهم من الأدوية والأغذية . والمارستان الآخر على هذا الرسم ، لكن الاحتفال في الجديد أكثر وهذا المارستان القديم هو غربى الجامع المكرم . وللمجانين المعتقلين أيضا ضرب من العلاج وهم في سلاسل موثوقون وهذه المارستانات مفخر عظيم من مفاخر الإسلام . وقال ابن أبي أصيبعة « 3 » : لما أنشأ الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى « 4 » البيمارستان الكبير ، جعل أمر الطب فيه إلى أبى المجد

--> ( 1 ) - البداية والنهاية لابن كثير حوادث سنة 569 مخطوط . ( 2 ) - الرحلة ص 283 طبع ليدن . ( 3 ) - عيون الانباء ج 2 ص 155 . ( 4 ) - هو أبو القاسم محمود بن عماد الدين زنكى بن آق سنقر الملقب بالملك العادل نور الدين . ولد يوم الأحد 17 شوال سنة 511 ه ملك الشام وديار الجزيرة ومصر . وكان ملكا زاهدا عابدا ورعا مائلا إلى أهل الخير ، كثير الصدقات . قال ابن الأثير : قد طالعت سير الملوك المتقدمين فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من سيرته ، ولا أكثر تحريا منه للعدل ، وكان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف في الذي يخصه إلا من ملك كان له قد اشتراه من سهمه في الغنيمة ، ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين . وكان عارفا بالفقه وسمع الحديث وأسمعه طلبا للأجر . وأما عدله فإنه لم يترك في بلاده على سعتها مكسا ولا عشرا ، وكان يعظم الشريعة ويقف عند أحكامها ، وقد حصن البلاد وبنى المدارس الكثيرة والجوامع والبيمارستانات -