أحمد ابراهيم الهواري

100

من تاريخ الطب الإسلامي

ولا يتوانى في ذلك . قال : « وبعد فراغه من ذلك يأتي فيجلس في الإيوان الكبير الذي للبيمارستان وجميعه مفروش ، ويحضر كتب الاشتغال . وكان السلطان نور الدين محمود بن زنكى قد وقف على هذا البيمارستان جملة كبيرة من الكتب الطبية وكانت في الخرستانين ( الخزانتين ) اللذين في صدر الإيوان ، فكان جماعة من الأطباء والمشتغلين يأتون إليه ويقعدون بين يديه ، ثم يجرى مباحث طبية ويقرئ التلاميذ ولا يزال معهم في اشتغال ومباحثة ونظر في الكتب الطبية مقدار ثلاث ساعات ، ثم يركب إلى داره . وكان بعض متقدمى الأطباء قد جعل له مجلسا عاما لتدريس صناعة الطب للمشتغلين عليه . وقد وقف مهذب الدين عبد الرحيم بن علي سنة 622 ، الدار التي له بدمشق ، وجعلها مدرسة يدرس فيها صناعة الطب ، ووقف لها ضياعا وعدة أماكن يشتغل منها ما ينصرف في مصالحها ، وفي جامكية المدرسة وجامكية المشتغلين بها . ولم يكن الأطباء يغفلون النظر في أبوال المرضى ، فقد كانوا يسمون ذلك القارورة ، ويسمون الاستنتاج من نظر البول التفسرة ، فما كان يعالج مريض دون النظر إلى قارورته ، ولهم في نظرها آراء وعلامات يتعرفون منها حالة البول من صحة وسقم . ونحن نقص الحكاية الآتية للدلالة على مهارة الأطباء وقوة استدلالهم وحسن استنتاجهم من النظر في بول المريض : أراد الرشيد أن يمتحن بختيشوع الطبيب ، أمام جماعة من الأطباء فقال الرشيد لبعض الخدم : « أحضره ماء دابة حتى نجربه » . فمضى الخادم وأحضر قارورة الماء ، فلما رآه قال : « يا أمير المؤمنين ليس هذا بول إنسان » . قال له أبو قريش وقد كان حاضرا : « كذبت هذا ماء حظية الخليفة » . فقال له بختيشوع : « لك أقول أيها الشيخ الكريم ، لم يبل هذا إنسان البتة ، وإن كان الأمر على ما قلت فلعلها صارت بهيمة » . فقال له الخليفة : « من أين علمت أنه ليس ببول إنسان » ؟ قال بختيشوع : « لأنه ليس له قوام بول الناس ، ولا لونه ، ولا ريحه » ، ثم التفت الخليفة إلي بختيشوع فقال له : « ما ترى أن نطعم صاحب هذا الماء » فقال : « شعيرا جيدا » . فضحك الرشيد ضحكا شديدا وأمر فخلع عليه خلعة حسنة جليلة ، ووهب له مالا وافرا ، وقال : « بختيشوع يكون رئيس الأطباء كلهم ، وله يسمعون ويطيعون » « 1 » .

--> ( 1 ) - ابن أبي أصيبعة ج 1 ص 126 .