لبيب بيضون
266
طب المعصومين ، الرسول وأهل بيته ( ع )
صدر نهاره على لبود في الشتاء ، وعلى حصير في الصيف ، ليس معها شيء من سائر الفرش . ويقعد للمظالم في كل جمعة مرتين ، لا يمتنع منه أحد . واختير له من الفقهاء لمجالسته مئة رجل ، فما زال يختارهم طبقة بعد طبقة ، حتى حصّل منهم عشرة ، وكان منهم أحمد بن أبي دؤاد ، وبشر المريسي ، وكنت أحدهم . علم المأمون بالطب : فتغدينا يوما عنده ، فظننت أنه وضع على المائدة أكثر من ثلاثمائة لون ؛ فكلما وضع لون نظر المأمون إليه ، فقال : هذا يصلح لكذا ، وهذا نافع لكذا ، فمن كان منكم صاحب بلغم ورطوبة فليتجنب هذا ، ومن كان صاحب صفراء فليأكل من هذا ، ومن غلبت عليه السوداء فليأكل من هذا ، ومن أحب الزيادة في لحمه فليأكل من هذا ، ومن كان قصده قلة الغذاء فليقتصر على هذا . فو اللّه إن زالت تلك حاله في كل لون يقدّم ، حتى رفعت الموائد . فقال له يحيى بن أكثم : يا أمير المؤمنين ، إن خضنا في الطب كنت جالينوس في معرفته ! أو في النجوم كنت هرمس في حسابه ! أو الفقه كنت علي بن أبي طالب في علمه ! أو ذكرنا السخاء فأنت فوق حاتم في جوده ! أو ذكرنا صدق الحديث كنت أبا ذر في صدق لهجته ! أو الكرم كنت كعب بن مامة في إيثاره على نفسه ! فسرّ المأمون بذلك الكلام ، وقال : يا أبا محمد ؛ إن الإنسان إنما فضّل على غيره من الهوام بفعله وعقله وتمييزه ، ولولا ذلك لم يكن لحم أطيب من لحم ، ولا دم أطيب من دم ! « 1 » . وقد أخذ المأمون الكثير من علوم الطب من الإمام علي الرضا عليه السّلام ، وذلك أنه اجتمع معه في نيسابور ، فطلب المأمون من الرضا عليه السّلام أن يكتب له
--> ( 1 ) عصر المأمون للدكتور فريد رفاعي : ج 1 ، ص 360 .