البكري الدمياطي

234

إعانة الطالبين

باب في الوصية أي في بيان أحكامها . وقدمها على الفرائض لأنه هو الأنسب ، إذ الانسان يوصي ثم يموت ثم تقسم تركته . وأكثرهم أخرها عنها لان قبولها وردها ومعرفة قدر الثلث ومن يكون وارثا متأخر عن الموت ، ولان الفرائض أقوى وأهم منها ، إذ هي ثابتة بحكم الشرع لا تصرف للميت فيها ، وهذه عارضة فقد توجد وقد لا توجد ، والأصل فيها قبل الاجماع ، قوله تعالى ، في أربعة مواضع ، * ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) * ( 1 ) وتقديمها على الدين للاهتمام بشأنها ، ولان النفس قد لا تسمح بها لكونها تبرعا ، وإلا فهو مقدم عليها شرعا بعد مؤن التجهيز . وأخبار ، كخبر ابن ماجة : المحروم من حرم الوصية ، من مات على وصية مات على سبيل وسنة وتقى وشهادة ومات مغفورا له وكالخبر الذي ساقه الشارح . وكانت أول الاسلام واجبة بكل المال للوالدين والأقربين ، لقوله تعالى : * ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين ) * ( 2 ) ثم نسخ بوجوبها بآية المواريث ، وبقي استحبابها في الثلث فأقل لغير الوارث ، وإن قل المال وكثر العيال ، قال الدميري ، رأيت بخط ابن الصلاح أبي عمرو ، أن من مات بغير وصية لا يتكلم في مدة البرزخ ، وأن الأموات يتزاورون في قبورهم سواه ، فيقول بعضهم لبعض ، ما بال هذا ؟ فيقال مات من غير وصية اه‍ . قال ع ش : ويمكن حمل ذلك على ما إذا مات من غير وصية واجبة ، بأن نذرها ، أو خرج مخرج الزجر . اه‍ . وأركانها أربعة : موص ، وموصى له ، وموصى به ، وصيغة . وكلها بشرائطها تعلم من كلامه ( قوله : هي لغة الايصال ) أي أنه الوصية في اللغة معناها الايصال ( قوله : من وصى ) أي أن الوصية مأخوذة من وصى ، وهو بالتخفيف ، كوعى ، ومن قرأه بالتشديد فقد صحفه ( قوله : لان الموصي الخ ) كان الأنسب تأخيره عن المعنى الشرعي ، لأنه توجيه لتسميته وصية . اه‍ . بجيرمي ( قوله : وصل خير دنياه بخير عقباه ) الإضافة فيهما على معنى في : أي وصل الخير المنجز الواقع منه في الدنيا ، وهو الطاعات الواقعة منه حال حياته التي من جملتها الاتيان بصيغة الوصية بالخير الواقع في آخرته المسبب عما قبله في حال حياته ، فإذا قال أوصيت له بكذا ، أو أوصيت بعتق هذا العبد ، فهذا خير واقع منه في دنياه ، وإعطاء الموصى له الوصية بعد الموت أو إعتاق الوارث بعده خير عقباه ، لا يقال القربة الصادرة من الموصي ليست إلا الوصية وهي في حياته ، والواقع بعد موته إنما هو أثر ذلك ، وهو وصول الموصي به للموصى له أو إعتاق العبد ، وهذا الأثر ليس فعل الموصي ، لأنا نقول إنما نسب ذلك إليه لتسببه فيه ، كما أشرنا إليه ، فقد حصل له بإيصائه خير بعد موته ، وصدر منه في حياته خير ، وقد وصل أحدهما بالآخر ، ويحتمل أن المراد أنه وصل خير دنياه ، أي تمتعه في الدنيا بالمال ، بخير عقباه ، أي انتفاعه بالثواب الحاصل بالوصية بالمال ، وعلى كل ، ففي العبارة قلب ، والأصل وصل خير عقباه بخير دنياه ، لان الوصلة تقع بعده فالذي يوصل هو المتأخر ، وقد يقال لا حاجة لذلك لان الايصال أمر نسبي ، فكل منهما متصل بالآخر . اه‍ . ش ق ( قوله : وشرعا ) عطف على لغة ( قوله : مضاف ) بالرفع صفة لتبرع ، وبالجر صفة لحق ، وهو

--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية : 11 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 180 .