البكري الدمياطي

146

إعانة الطالبين

مع حط الأجرة أو لا يضمن ؟ قياس ما مر من عدم الضمان إلا بتقصير فيما لو اكتراه لخياطة ثوب فتلف انه هنا كذلك ، فتنبه ( قوله : ولو استأجر ) أي شخص ، وقوله سفينة ، أي أو نحوها كسنبوك ، أو مركب ، أو بابور ( قوله : فدخلها ) أي السفينة ( قوله : فهل هو ) أي السمك وقوله له ، أي للمستأجر ( قوله : وجهان ) قال في المغني : حكاهما ابن جماعة في فروقه ، أوجههما ، أنه للمستأجر ، لأنه ملك منافع السفينة ويده عليها ، فكان أحق به . اه‍ . ( تتمة ) في بيان أحكام الجعالة التي تركها المؤلف وكان حقه أن يذكرها تبعا لغيره من الفقهاء ، واختلفوا في موضع ذكرها ، فمنهم من ذكرها عقب الإجارة ، كالغزالي ، وصاحب التنبيه ، وتبعهم في الروضة لاشتراكهما في غالب الاحكام ، إذ الجعالة لا تخالف الإجارة إلا في خمسة أحكام ، أحدها صحتها على عمل مجهول عسر علمه ، كرد الضالة والآبق ، فإن لم يعسر علمه ، اعتبر ضبطه ، كما سيأتي ، إذ لا حاجة إلى احتمال الجهل حينئذ . ثانيها : صحتها مع غير معين ، كأن يقول من رد ضالتي فله علي كذا . ثالثها : كونها جائزة من الطرفين ، طرف الجاعل ، وطرف العامل . رابعها : العامل لا يستحق الجعالة إلا بعد تمام العمل . خامسها : عدم اشتراط القبول ، ومنهم من ذكرها عقب اللقطة ، وهم الجمهور ، وتبعهم النووي في منهاجه ، نظرا إلى ما فيها من التقاط الضالة ، وهي بتثليث الجيم لغة ، ما يجعل للانسان على فعل شئ ، سواء كان بعقد ، أو بغيره ، وشرعا التزام عوض معلوم على عمل معين أو مجهول عسر علمه ، وأركانها إجمالا أربعة ، وكلها قد تضمنها التعريف المذكور ، الركن الأول : العاقد ، وهو الملتزم للعوض ، ولو غير المالك ، والعامل ، وشرط في الأول ، اختيار ، وإطلاق تصرف ، فلا تصح التزام مكره ، وصبي ، ومجنون ، ومحجور سفه ، وفي الثاني : ولو كان غير معين ، علمه بالالتزام ، فلو قال إن رد آبقي زيد فله كذا ، فرده غير عالم بذلك ، لم يستحق شيئا ، والمثال الأول للمعين ، والثاني لغيره ، وشرط فيه أيضا ، إذا كان معينا ، أهلية العمل ، فيصح ممن هو أهل له ، ولو عبدا ، وصبيا ، ومجنونا ، ومحجور سفه ، بخلاف صغير لا يقدر على العمل ، لان منفعته معدومة ، فالجعالة معه كاستئجار أعمى للحفظ ، وهو لا يصح ، فكذلك هذا الركن الثاني : الصيغة ، وهي من طرف الجاعل ، لا العامل ، فلا يشترط قبول منه لفظا ، بل يكفي العمل منه ، وشرط فيها عدم التأقيت ، لان التأقيت قد يفوت الغرض ، الركن الثالث ، الجعل وشرط فيه ما شرط في الثمن ، فما لا يصح ثمنا لكونه مجهولا أو نجسا ، لا يصح جعله جعلا ، ويستحق العامل أجرة المثل في المجهول والنجس المقصود ، كخمر ، وجلد ميتة ، فإن لم يكن مقصودا ، كدم ، فلا شئ له . الركن الرابع : العمل وشرط فيه كلفة ، وعدم تعينه ، فلا جعل فيما لا كلفة فيه ، كأن قال من دلني على مالي فله كذا ، فدله عليه ، وهو بيد غيره ، ولا كلفة ، ولا فيما تعين ، كأن قال من رد مالي فله كذا ، فرده من تعين عليه الرد لنحو غصب ، لان ما لا كلفة فيه وما تعين عليه شرعا ، لا يقابلان بعوض ، ولو حبس ظلما فبذل مالا لمن يخلصه بجاهه أو غيره كعلمه وولايته ، جاز ، لأن عدم التعين صادق بكون العمل فرض كفاية . ولا فرق في العمل بين كونه معلوما ، وكونه مجهولا عسر علمه للحاجة ، كما في القراض ، فإن لم يعسر علمه ، اشترط ضبطه ، ففي بناء حائط ، يذكر موضعه ، وطوله ، وعرضه ، وارتفاعه ، وما يبنى به ، وفي الخياطة ، يعتبر وصفها ووصف الثوب ، والأصل فيها قبل الاجماع ، خبر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، وهو الراقي ، وذلك أنه كان مع جماعة من الصحابة في السفر ، فمروا بحي من أحياء العرب ، فاستضافوهم ، فلم يضيفوهم ، فباتوا بالوادي ، فلدغ رئيس ذلك الحي ، فأتوا له بكل دواء ، فلم ينجع ، أي لم ينفع بشئ ، فقال بعضهم لبعض ، سلوا هذا الحي الذي نزل عندكم ، فسألوهم ، فقالوا هل فيكم من راق ، فإن سيد الحي لدغ ؟ فقالوا نعم ، ولكن لا يكون ذلك إلا بجعل ، لكونهم لم يضيفوهم ، فجعلوا لهم قطيعا من الغنم ،