صالح نصر الله ابن سلوم الحلبي
16
غاية الإتقان في تدبير بدن الإنسان
أفسد باب الاجتهاد في أمر حديث . والتمييز بين الجديد والرتيب . إلى أن وصلت النوبة إلى واحد العصر والأوان ، وفريد الدهر والزمان ، عين الأعيان ، ومجدد علم الأبدان ، أشاد أهل الصناعة ، والرئيس في الدولة العثمانية على الجماعة ، اللوذعي الأوحدي المولى صالح أفندي . فنهض عن سريرته بعزم صحيح المزاج ، قوي القوى ، مليح الشيم ، صبيح الروى « 1 » . يقتحم الأدعار ويزدحم الأنجار والأغوار ، يطلع الثنايا ويستطلع الجنايا التي في الزوايا إلى أن انغمس في عباب تلك الأساطين من حكماء اليونان وأطباء اللاتينيين ، وغاص في لجج بحارهم حتى وصل إلى مؤدّى آرائهم ، واستخرج منها دررا فاخرة ثمينة وتراكيب وعلاجات كانت في أصدافها كمينة ، وغير ذلك من الفوائد الفريدة والأمراض الحديثة والجديدة ، حتى أنه لم يبق ولم يدع سوى الخرز « 2 » والودع « 3 » بل لم يترك شيئا ثمة ولم يذر . وجاء بجملة المبتدأ الخبر ، وكان في قصده ونيته وضميره وأمنيته أن يرتب هذا الكتاب ترتيبا مطابقا لمرامه بمقامه ، إلى أن اختطفته يد المنية قبل أن يظهر إلى الفعل ما كان في النية . أفاض اللّه عليه بسجال غفرانه وأسكنه بحبوحة جناته ، ثم أن نجله السعيد حضرة مولى الموالي ، وقرة عين الموالي ، جرثومة « 4 » الفضائل والمحامد ، وأرومة قطبة الأفاضل والأماجد أفلاطون الأوان ، وأرسطاليس الزمان ، ذو الأخلاق الزكية ، والأحكام الشرعية ، والشجاعة العنترية ، فأكبر بشأنه وأحكم وأعظم بمكانه ، فهو الذي يدرك فيما يدرك . وشذ في عصره فيما يشرك ، الفاضل الزكي الألمعي المولى « يحيى أفندي » لا زالت أوقاته صافية من الكدر ، ولا برحت مساعيه محمودة الأثر ذاكية الثمر . طال ما كان يجول في خاطره . ويلوح لناظره تكميل هذا الأثر الجليل
--> ( 1 ) الروى : مثل إلى : الماء الكثير المروي . ( أقرب الموارد ج 2 ص 463 ) . ( 2 ) خرز الظهر : فقاره وكل فقرة من الظهر والعنق ( خرزة ) . ( أقرب الموارد ج 2 ص 35 ) . ( 3 ) الودع بالفتح : حائر يحاط به عليه حائط يدفن فيه القوم موتاهم ( ج ) ودوع . ( أقرب الموارد ج 5 ص 256 ) . ( 4 ) جرثومة : جرثوم الشيء ، وجرثومته : أصله .