البكري الدمياطي

326

إعانة الطالبين

ويروى عن محمد بن المنكدر أنه حج ثلاثا وثلاثين حجة ، فلما كان آخر حجة حجها ، قال وهو بعرفات : اللهم إنك تعلم أنني قد وقفت في موقفي هذا ثلاثا وثلاثين وقفة ، فواحدة عن فرضي ، والثانية عن أبي ، والثالثة عن أمي ، وأشهدك يا رب أني قد وهبت الثلاثين لمن وقف موقفي هذا ، ولم تتقبل منه . فلما دفع من عرفات ونزل بالمزدلفة ، نودي في المنام : يا ابن المنكدر ، أتتكرم على من خلق الكرم ؟ أتجود على من خلق الجود ؟ إن الله تعالى يقول لك : وعزتي وجلالي ، لقد غفرت لمن وقف بعرفات قبل أن أخلق عرفات بألفي عام . وعن علي بن الموفق رحمة الله عليه قال : حججت في بعض السنين ، فنمت بين مسجد الخيف ومنى ، فرأيت ملكين قد نزلا من السماء ، فقال أحدهما لصاحبه : يا عبد الله ، أتعلم كم حج بيت ربنا في هذه السنة ؟ قال : لا . قال ستمائة ألف . ثم قال له : أتدري كم قبل منهم ؟ قال : لا . قال ستة أنفس . ثم ارتفعا في الهواء ، فقمت وأنا مرعوب ، وقلت : واخيبتاه أين أكون أنا في هذه الستة أنفس ؟ فلما وقفت بعرفة وبت بالمزدلفة ، رأيت الملكين قد نزلا من السماء على عادتهما ، فسلم أحدهما على الآخر ، وقال : يا عبد الله ، أتدري ما حكم ربك في هذه الليلة ؟ قال : لا . قال : فإنه وهب لكل واحد من الستة المقبولين مائة ألف ، وقد قبلوا جميعا . قال : فانتبهت ، وبي من السرور ما لا يعلمه إلا الله تعالى ، إذ قبل الحجاج جميعهم ومنحهم برا وجودا ، ولم يجعل منهم شقيا ولا محروما ، ولا مطرودا . ( قوله : ووقته ) أي الوقوف . وقوله : بين زوال إلخ أي يدخل بزوال شمس ذلك اليوم ، ويخرج بطلوع فجر يوم النحر . فمن وقف قبل الزوال وذهب من عرفة ، لا يصح وقوفه ، وكذلك من وقف بعد الفجر . ومن وقف بينهما صح وقوفه ، ولو لحظة قبل الفجر ، وذلك لأنه ( ص ) وقف بعد الزوال رواه مسلم ، وأنه قال : من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج . وفي رواية : من جاء عرفة ليلة جمع أي ليلة مزدلفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج . ( ( قوله : وهو ) أي يوم عرفة . ( وقوله : تاسع ذي الحجة ) فلو وقفوا قبله أو بعده لم يصح وقوفهم . نعم ، إن وقف الحجيج أو فرقة منهم وهم كثير على العادة يوم العاشر للجهل - بأن غم عليهم هلال ذي حجة صح . وإن وقفوا بعد التبين ، كما إذا ثبت الهلال ليلة العاشر ، ولم يتمكن من الوقوف فيها لبعد المسافة ، وإليه حينئذ تنتقل أحكام التاسع كلها ، فلا يعتد بوقوفهم قبل الزوال ، ولا يصح رمي جمرة العقبة إلا بعد نصف ليلة الحادي عشر والوقوف . وهكذا جميع الأحكام . ( قوله : وسن له ) أي للحاج ، الجمع بين الليل والنهار ، وقيل يجب . ( قوله : وإلا ) أي وإن لم يجمع بينهما . ( وقوله : أراق دم تمتع ) أي دما كدم التمتع في كونه مرتبا مقدرا . وقوله : ندبا أي وعلى المعتمد ، وعلى مقابله تجب إراقة دم . ( قوله : وثالثها ) أي أركان الحج . ( وقوله : طواف إفاضة ) أي لقوله تعالى : * ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) * ( 1 ) . ( فائدة ) سمى البيت عتيقا : لان الله تعالى أعتقه من أيدي الجبابرة ، فلم يسلط عليه جبار قط ، بل كل من قصده بسوء هلك . وقال أبو بكر الواسطي : إنما سمي عتيقا لان من طاف به صار عتيقا من النار ، ولله در من قال : طوبى لمن طاف بالبيت العتيق وقد * لجا إلى الله في سر وإجهار ونال بالسعي كل القصد حين سعى * وطاف جهرا بأركان وأستار

--> ( 1 ) الحج : 29