مجموعة مؤلفين
59
كتاب الأطباء القوصونيون
( الأرجوزة ) وبين كلامه النثري في ( القانون ) جاعلا المعيار في الحكم على ذلك كله هو ما دلت عليه التجربة والاستقراء . وهو ما يظهر في قوله عقب البيت السابق : قال أبقراط : فصل الربيع حار رطب ، طبيعة الدم . انتهى وقال الشيخ : إن مزاج الربيع هو المزاج المعتدل وليس على ما يظن أنه حارب رطب . فإن قلت : فيم يجمع بين قول الشيخ في النظم تبعا لأبقراط ، وبين قوله في النثر ؟ قلت يجمع بينهما بأن نقول الربيع إذا قيس على أبداننا كان معتدلا ، وإذا قيس على الاعتدال الحقيقي كان حارا رطبا ، وذلك لأن طبيعة الربيع مثل مزاجنا في أن كل واحد منهما معتدل ، والاعتدال الإنساني يميل إلى حرارة ورطوبة ، عن الإعتدال الحقيقي فالربيع أيضا يجب أن يكون كذلك ، وأول الربيع مشابه لآخر الشتاء . وهو لذلك أقل حرارة وأكثر رطوبة ، وآخره مشابه لأول الصيف ، وهو لذلك أكثر حرارة وأقل رطوبة . واما الاعتدال الشبيه بأبداننا المائل قليلا إلى الحرارة والرطوبة عن الاعتدال الحقيقي ، فإنه إنما يوجد في وسطه . دل على ذلك الاستقراء . « 1 » وهو يستدل بطريق التجربة على غير ذلك من اختلاف الأطباء ، وتضارب أقوالهم في قضايا أخرى منها ما يعرض له من أثر القهوة والبن . مشيرا إلى جده ( بدر الدين القوصوني ) قائلا : في القهوة المتخذه من البن ، ومن قشره ، سئل عنها شيخ مشايخنا رئيس الأطباء على الإطلاق عند أهل الخلاف والوفاق بدر الدين محمد القوصوني . . عن القهوة واستعمالها مضر أم نافع . . فأجاب . . الحمد لله لم أر ذكر البن فضلا عن القهوة في كتاب من كتب الطب التي طالعتها ، واطلعت عليها ، والذي نتكلم عليه الآن . إنما هو بحسب ما ظهر لنا من آثارها بطريق التجربة . « 2 » ومع ذلك فإن عناية ( مدين القوصوني ) بالتجربة والاستقراء لم تمنعه من العناية - أيضا
--> ( 1 ) القول الأنيس ، ص 208 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 227 .