مجموعة مؤلفين
49
كتاب الأطباء القوصونيون
قال الإمام الفخر الرازي : اعلم أن من الناس من زعم أن هذه الأجسام المعدنية والنباتية والحيوانية ، إنما تكونت من عنصر واحد ، وإنه لا حاجة بها إلى العناصر . وهؤلاء اختلفوا فمنهم من زعم أن ذلك العنصر هو النار ، ثم إذا تكاثفت صارت هواء . فإذا ازدادت الكثافة صارت الماء ، فلما بلغت الكثافة إلى الغاية صارت أرضا . ومنهم من قلب القضية ، وجعل العنصر هو الأرض ، وكوّن منها بقية العناصر بزيادة اللطافة . ومنهم من جعل العنصر هو البخار . ثم يتكون عند الهواء والنار بزيادة اللطافة والماء والأرض بزيادة الكثافة . ومن الناس من سلّم أنها تولدت من العناصر الكثيرة ، وهؤلاء اختلفوا . فمنهم من زعم أنها غير متناهية . ومنهم من جعلها متناهية . « 1 » والرازي يلخص في هذه العبارة الاتجاهات الفلسفية القديمة التي تمخّص عنها بحث الطبيعيين الأوائل من مدرسة أيونية في قضية ( أصل الوجود ) حيث قرر البعض منهم - طاليس أن الوجود بدأ من الماء ، وقرر البعض الآخر - هير قليطس أنه النار . . إلخ . وهؤلاء الفلاسفة عرفوا بأصحاب المذاهب الواحدية في مقابل مذاهب الكثرة ، من أمثال ديمقريطس وأبيقور . غير أن الفكر الفلسفي الإسلامي كان قد تجاوز المباحث قبل عصر القوصوني بقرون طويلة . ونعود لمدين القوصوني حيث نراه لم يكتف بإيراد هذه الأقوال المتضادة ، بل يورد عقب لذلك أبياتان أرجوزة ابن سينا الألفية ( التي يسميها المنظومة الكبرى ) « 2 » معقبا عليها بقوله : وحيث تعرضت لذكر هذه الأبيات فلا بأس بشرحها على وجه لطيف فنقول : دليله في ذا بأن الجسما * إذا ثوى عاد إليه رغما
--> ( 1 ) القول الأنيس ، ص 181 ، 182 . ( 2 ) وهي الأرجوزة التي مطلعها : الطّب حفظ صحة برء مرض * من سبب في بدن منه عرض