مدين بن عبد الرحمن القوصوني المصري
111
قاموس الأطباء وناموس الألباء
تخرج به بعد عن حدود الصحة في الأبدان الحارة أو الباردة وهذه الأبدان انما يتأتى حفظ صحتها عليها إذا استعمل فيها التدبير الذي يعرف بالتقدم بالحفظ وهو ان يدبّر المنحرف عن الوسط بما يعدل ليبقى على ما هو عليه فلا يزداد بعدا وانحرافا عما له من المزاج الا ان ذلك لا يكون حفظا لصحته مطلقا لكنه تدبير مركب من تدبيرين أحدهما الحفظ والاخر التقدم به واما التدبير الذي هو حفظ الصحة على الاطلاق من غير أن يشوبه تدبير آخر فهو حينئذ لا يكون الا بالأشياء المتشاكلة فقط وهو تدبير حفظ صحة الأبدان التي لا يذم من أحوالها شئ وهذا هو الذي يعنيه الأطباء بقولهم انّ الصحة تحفظ بالمثل وإذا تقرر هذا فلا يرد بالمزاج الصفراوي والبلغمى فإنهما ليسا من الأمزجة الصحية في الغاية انتهى قال الكازروني هذا ما أجاب عنه هذا الفاضل وليس بسديد لأنه لو كان المراد بقول الاطبا الصحة تحفظ بالمثل هو الصحة التامة التي في الغاية لسقط قسم من اقسام علم الطب لان مثل هذا الشخص الذي مزاجه الصحي لا يكون صفراويا ولا بلغميا ولا دمويا ولا سوداويا نادر جدا فكيف يشتغل الطبيب بحفظ تلك الصحة ثم قال بل نقول المراد بقول الأطباء الصحة تحفظ بالمثل هو ان الغذا إذا ورد على بدن الصحيح المزاج وانفعل عن حرارته وانهضم وحصل منه دم يصلح ان يكون بدلا لما تحلل من ذلك البدن بان يكون ذلك الدم مشابها لذلك البدن ثم مثل بما يطول ذكره وقال غيره المراد بالغذا ما غيره البدن وجعله شبيها به فالحار إذا تناوله المحرور لم يكن مثلا للمغتذى لأنه يكون أسخن لأنه حار والبدن المحرور يزيده حرارته فكيف يكون حرارته أشد وامّا البارد فان المحرور إذا تناوله وصار غذاء بالفعل كان مثلا له وشبيها به لان قوة البدن تسخنه وتكسر برودته قال وقس على هذا غيره قلت وعلى هذا فالمراد بالمثل ما هو بالفعل لا ما هو بالقوة والذي يظهر لنا من الكلام في هذا المقام ان قولهم الصحة تحفظ بالمثل لا يرد عليه ان المحرور يحفظ صحته بالحار ولا ان المبرود تحفظ صحته بالبارد لان هذا خروج عن قاعدة حفظ الصحة بالمثل إلى قاعدة علاج المرض بالضد لان المحرور هو الذي انحرف مزاجه عن الاعتدال الصحي إلى الحرارة وان المبرود هو الذي انحرف مزاجه كذلك إلى البرودة فحينئذ فكل واحد منهما ليس بصحيح فالمراد بقولهم الصحة تحفظ بالمثل هو ان ذلك الصحيح هو الذي تقاربت فيه كيفيات العناصر وهذا هو المعتدل الطبى وإذا أردنا حفظ صحته أوردنا عليه الأشياء المعتدل التي منها خبز الحنطة لأنه معتدل في الحرارة وبينه وبين المزاج الانساني ملائمة ومشاكلة لكثرة استعماله له ومنها لحم الحولى من الضأن لأنه قريب من الاعتدال لأنه من جهة النوع رطب ومن جهة السن مايل إلى اليبوسة ومنها لحم العجل لقربه من الاعتدال لأنه من جهة النوع يابس ومن جهة السن رطب ومنها لحم الجدى لقربه من الاعتدال لأنه أيضا من جهة النوع