الشيخ داود الأنطاكي

40

نزهة الأذهان في إصلاح الأبدان

وعجائبه في هذا الباب لا تحصى ، وغرائبه لا تستقصى . . . قلت ومما ينقل من غرائبه ، ولا أدعي صحته ، أنه ورد إلى مكة طبيب ومعه حب قابض ، فرغب الناس فيه واشتهر أمره ، فوصل خبره إلى داود ، فجاء إليه وسأله عن تركيب الحب المذكور ، فأجابه : إن شهرتك في الحذق تنبو عن هذا السؤال ، وينبغي لمثلك أن يخبر بأجزائه إذا ذاقه ، فقال له : إذا أخبرتك هل تصدقني ولا تخالف علي في شيء ، فأقسم له أنه لا يخالف عليه في شيء ، فقال له كم عدد أجزائه ، فقال له ثلاثون ، فذاقه ثم أخذ بذكر الأجزاء واحدا بعد واحد ، والطبيب يصدقه على ما يقول ، إلى أن بقي جزء واحد ، فأظهر العجز عن معرفته ، فقال له الطبيب : لا بد وأن تمعن النظر فيه وتظهره ، فذاق حبة وتوقف حصة ، ثم قال له : إن كان ولا بد فهذا الجزء مما لا طعم له ولا رائحة ، وهو الكهرباء « 1 » . وهي مبالغة بالغة إلى إفراط ، ولولا شهرتها عنه كثيرا في الألسنة ما ذكرتها . نعم حكوا عنه ما هو ألطف موقعا من هذه ؛ وهي أن رجلا دخل عليه وقال له : أي شيء يقوم مقام اللحم ، فقال البيض ، فغاب عنه سنة وجاءه فرآه منهمكا في تركيب « 2 » يجمع أجزاءه ، فقال له بأي شيء يقلى ، فقال بالسمن . . . وبالجملة فإنه من نوادر الزمان ، وأعاجيب الدوران . . . « 3 » .

--> ( 1 ) كهرباء : ( كهاربا ، كاربا ) صمغ كالسندروس مكسره إلى الصفرة والبياض . . يجذب التبن والهشيم إلى نفسه فلذلك سمي كاهربا بالفارسية أي سالب التبن . . وهو صمغ شجرة الجوز الرومي . ( القانون ، 1 : 338 . الجامع ، 2 : 355 . تذكرة داود ، 2 : 105 ) . ( 2 ) في تركيب يجمع : في سلك الدرر للمرادي ، 3 : 200 ؛ في تركيب معجون وهو يجمع . ( 3 ) انتهى كلام المحبي في خلاصة الأثر . ج 2 ، من ص 140 - 149 .