الشيخ داود الأنطاكي
26
نزهة الأذهان في إصلاح الأبدان
من له فيها المزيّة ، المتوحد بأنواع الفضائل ، والمتفرد بمعرفة علوم الأوائل ، سيما علم الأبدان ، المقدم على علم الأديان ، فإنه بلغ فيه الغاية التي لا تدرك ، وانتهى منه إلى الرتبة التي لا تكاد تملك ، وأما معرفته لأقسام النبض ، فآية له باهرة ، وكرامة على صدق مدّعاه ظاهرة ، يكاد لقوة حدسه ، يستشّف الداء من وراء حجابه ، ويناجيه بظاهر علاماته وأسبابه . هذا وقد كنت ريعان الشباب ، وغيسان بلوغ الأتراب ، أتنسّم أخباره من الفسطاط ، وإنما بدمشق والمنزل شطاط : حتى التقينا فلا واللّه ما سمعت * أذني بأحسن مما قد رأى بصري فضل ليس وراءه لأحد فضله ، وعلم لم يحو أحد في عصره مثله ، إلا أدب يغضّ منه الناظر ، ويحار في وصفه الفكر والخاطر فكأنه الروض الأريض * بجنّة الفردوس حاكي هتفت به راد الضحى « 1 » * ورق سواجع في الأراك وحباه واد الشحر ريّا * عترة فوق المداك « 2 » فغم الغطاء لأجل ذا * منه ترى الفسطاط ذاكي حملته للزوراء عنه * تحية هوج المذاكي ينحو بأعلى الكرخ دارا * جادها نوء السماك فهي المطاف لحائر * بالحايرية ظل باكي وردت « 3 » عليه على برح اشتياق ، وادكار لحديث « 4 » هيت أو حديث زوراء العراق ، بل كنت لديه كقميص يوسف حين ألقاه البشير ، فكاد أن يرتد من فرط
--> ( 1 ) رأد الضحى : وقت ارتفاع الشمس وانبساط النور في أول النهار . ( لسان العرب ) . ( 2 ) المداك : حجر يسحق به الطيب . ( المعجم الحديث ) . ( 3 ) يتابع الحموي هنا في فوائد الارتحال كلام الطالوي ، وكذلك أحمد عيسى في معجم الأطباء ، ص : 187 . ( 4 ) لحديث : في فوائد الارتحال ومعجم الأطباء : بحديث .