الشيخ داود الأنطاكي

21

نزهة الأذهان في إصلاح الأبدان

إذا جس نبضا لتشخيص مرض عرض ، أظهر من أعراض الجواهر كلّ غرض ، فيفتن الأسماع والأبصار ، ويطرب بجس النبض ما لا يطربه جس الأوتار : يكاد من رقة أفكاره * يجول بين الدم واللحم لو غضبت روح على جسمها * الّف بين الروح والجسم فسبحان من أطفأ نور بصره ، وجعل صدره مشكاة نور ( فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) « 1 » . وله في كل علم سهم مصيب ، ومنطق مجلي بتذهيب التذهيب « 2 » ، وكنت قرأت عليه الطبّ وغيره في سن الصغر ، فسمعت ما يغار له نسيم السّحر ، ويطرب من لطفه نغمات الوتر ، ينثر فيه نثار العلوم على عرائس المنثور والمنظوم . وكان يقول لو رآني ابن سينا « 3 » لوقف ببابي ، وابن دانيال « 4 » لاكتحل بتراب أعتابي ، إلا أنه على مذهب الحكماء ومشرب الندماء ، . . . ثم لما كثر اللغط فيه ، ارتحل للبيت العتيق ، فطافت به المنية من كل فج عميق ، فقضى نحبه ولقي ربه . انتهى كلام الشهاب « 5 » .

--> ( 1 ) قرآن كريم ، سورة الحج ، آية 46 . ( 2 ) مجلي بتذهيب التذهيب : في الريحانة المطبوع ؛ محلى بتهذيب التهذيب . ( 3 ) يعني الرئيس أبا علي الحسين بن عبد اللّه ابن سينا ، الفيلسوف الطبيب المتوفى سنة ثمان وعشرين وأربعمائة . ( هامش ريحانة الألبا ، 2 : 118 عن تاريخ حكماء الإسلام ، 27 - 72 ) . ( 4 ) يعني شمس الدين محمد بن دانيال بن يوسف الخزاعي الموصلي ، الطبيب الكحال ، المتوفى بالقاهرة في السنة العاشرة بعد السبعمائة . ( المرجع السابق ، عن فوات الوفيات ، 2 / 190 ) . ( 5 ) بينما في الريحانة إضافة ؛ ومما سمعته من شعره قوله : ( هي الشعر الموجود في فاتحة نزهة الأذهان ) من طول إبعاد ودهر جائر * ومسيس حاجات وقلة منصف ومغيب إلف لا اعتياض بغيره * شطّ الزمان به فليس بمسعف أواه لو حلّت لي الصهباء كي * أنشى فاذهل عن غرام متلف وهو كقول شيخ المعرة . . . . . وله تأليف منها . . . . . . ( ريحانة الألبا للخفاجي ، 2 : 119 ) .