الشيخ داود الأنطاكي

212

ثلاث رسائل طبية لداود الأنطاكي

فهذا علم حدة الإبصار في البعد ، وكلها في القرب فافهم عني يا جالينوس . قال : صدقت فأخبرني عن الرعاش عما هو « 1 » ؟ .

--> ( 1 ) والرعشة تحدث في الرقبة كما تحدث في سائر أعضاء البدن ، وهذا العرض إنما هو مقاومة ومغالبة بين ثقل العضو ، وبين القوة التي قد جعلها اللّه للحيوان في أعضائه ، فمرة يغلب ثقل العضو فيميل إلى أسفل ، ومرة تغلب القوة فتشيله وترفعه إلى فوق فتكون الحركتان متعاقبتين واجتماعهما يسمى الرعشة ، وحق الرقبة أن تكون ترتعش لأيسر اختلال يكون في القوة لثقل الرأس ، فليس في الإنسان عضو أثقل من رأسه ، بإضافته إلى البدن ، والرعشة تكون إما بعقب مرض ، وإما بعقب استفراغ ، ويكون ذلك كونا أوليا بسبب باد ، إما برد شديد على الدماغ ، والنخاع ، وإما ضربة على الرأس ، وإن برئ الجرح تكون القوة النفسانية قد اختلت فتحدث الرعشة ، ورؤوس الأرانب دواء نافع إذا أدمن أكلها نفايا شهدت التجربة بذلك ، وأما ما تفعله رؤوس الأرانب بقدر اللّه - عز وجل - لا أقول إنه بمزاج معلوم فتنفع من نوع واحد من أنواع الرعشة دون آخر ، بل إنما تفعله بجملة جوهرها ، خاصية وضعها اللّه فيها لا تبلغ عقولنا إلى معرفة سببها فهي تنفع من جميع أنواع الرعشة ، وقد تكلم كثيرا في الخواص ، وعلم ذلك ممتنع ، فإن للعقول حدّا لا تتعداه ، وإنما هي مقصورة على ما قدر اللّه لها إدراكه لا تتجاوزه ، وما أحسن وأبدع قول جالينوس حين أقر في أمور أنه لا يعرفها ، ومن كان أقدر على الكلام منه فيها ؟ لكن صرفه الإنصاف إلى الاعتراف ، فإنما العلم للّه يعطي منه ما يشاء لمن يشاء ، ولهذا كانت أدوية قروح الرئة موجودة في العالم مجهولة عندنا ، فإن الأغنام إذا أصابتها علة في رئاتها تخرج عن الغنم كأنها تطلب وتطوف ، ويقول الرعاة : إنها تأكل نماما وبإثر ذلك تبرأ برءا تاما صحيحا ، ورأيت رئات الأغنام وأثر انتقاض الاتصال فيها ظاهر وأثر الاندماج والالتحام فيها بيّن ، وإلى الآن لم أعرف هذا الدواء ولا عرفه أحد قبلي في ظني . واتخذ لمن يشكون الرعشة شرابا يقوي أعضاءه عموما ، ورأسه خصوصا ولا تغفل الدهان . ( التيسير 128 ، 129 ) . ثم قال : فكما علمت أن الرعشة إنما هي حركة اضطراب ومجاهدة بين القوة الحاملة للعضو وبين ثقل العضو ، فالقوة تروم رفع العضو وثقله يميله نحو الأرض فتتعاقب الحركتان من إرادة الحيوان ومن ثقل عضوه . وعلاجها بتقوية البدن ، أما بالأدوية فبنحو ما ذكرت من شراب الأسطوخدوس ، -