جلال الدين السيوطي
25
الرحمة في الطب والحكمة
باردا من نهر شرقي أو بئر كثير الماء ويتنفس خارج الإناء لا في الماء ثلاث مرات ويسمي اللّه في كل واحدة منها ويحمده في آخرها ويشرب في إناء خزف من الطين فهذا هو الشرب الهنيء المريء الصالح . وقال بعض الحكماء : الشرب في إناء النحاس رديء لا هنيء ولا مريء وفي العود هنيء ولا مريء وفي خزف الطين هنيء مريء ويحذر كل الحذر من الماء الحار إلّا لعذر والمالح والكدر والمنتن وكل ذلك رديء لا خير فيه ولا يشرب الماء من الإناء الذي لا يرى الماء فيه كالكوز والركوة ونحو ذلك فإنه لا يدري ما يندفع إليه من باطنه ولكن يسكب الماء منه إلى إناء الشرب وينظره ثم يشرب كما وصفنا . وهذا القدر كاف في تدبير الشرب واللّه أعلم . الثالث تدبير الحركة : اعلم أن الإنسان لا بد أن يبقي على معدته من كل طعام فضلة رديئة فإذا لم يتحرك في وقت مخصوص اجتمع من ذلك ضرر عظيم فينبغي أن يتحرك حركة خفيفة معتدلة يسحن منها جسمه وتنهضم تلك الفضلة والأصلح من الحركة أن تكون في وقت خلو المعدة من الطعام وتسمى الرياضة وهو أن يتحرك بحركة خفيفة معتدلة مثل ركوب دابة أو مشي خفيف أو علاج بعض الأشغال أو قراءة أو نحو ذلك ، وللرياضة قدر معلوم وهو ريثما تحمر البشرة ويبدو أول العرق ثم ينقطع ولا خير في الحركة الضعيفة التي تؤدي إلى الكلل والتعب ولا في الحركة عقب الأكل خصوصا مع الشبع فربما أدى ذلك إلى علة عظيمة فهذا القدر كاف في تدبير الحركة . الرابع تدبير السكون : اعلم أن الإنسان في حال سكونه لا يخلو إما أن يكون قائما أو قاعدا أو مضطجعا أو غير ذلك فلا ينبغي أن يستديم بعض هذه الحالات إلى أن يحصل الملل والسآمة فإن ذاك مضر بالروح والبدن مضرة عظيمة ولكن الأصلح أن يسكن في كل واحدة ما دام النشاط باقيا فمتى بدا التعب والسآمة استراح إلى الحال الثانية ، فهذا هو القدر الأصلح في تدبير السكون واللّه أعلم . الخامس تدبير النوم : اعلم أن النوم هو هدوء الحواس عن الحركة وسكون النفس الحساسة وانقباضها مع الحرارة الغريزية من الدماغ إلى داخل الجوف ببخارات معتدلة تصعد من الجوف إلى الدماغ تنوب عنها بحركة حيوانية روحانية غير حساسة ، وقد يستعين بكلام معتدل طيب عن السكون بالنوم فهذا سبب النوم الطبيعي وفيه فائدتان : إحداهما : استراحة الأعضاء مما يلاقي الجسم من التعب عند الحركات في اليقظة وراحة النفس مما تلاقي من التكاليف عن الهموم والأفكار ونحو ذلك ففي النوم لذلك راحة عظيمة للنفس والبدن . والثانية : أن الحرارة الغريزية تدخل إلى داخل الجوف وقت النوم فيكون بها إعانة على الهضم فيقوم الإنسان وقد استمرأ ما في بطنه . والقدر الأصلح من النوم ست ساعات من الليل أو ثمان وفي النهار ولو ساعة القيلولة ولو لحظة فإن فيها إعانة على قيام الثلث الباقي من الليل ، كما أن في السحور إعانة على الصوم وللنوم