جلال الدين السيوطي
11
الرحمة في الطب والحكمة
الناس يهلك ، فإذا ظهرت إحدى هذه العلل فينبغي شرب مسهل البلغم وسنذكره إن شاء اللّه تعالى . زيادة خلط السوداء : إذا أكثر الإنسان من أكل الأغذية السوداوية كالعدس والدخن ولحم البقر والباذنجان ونحو ذلك هاجت عليه السوداء فيبدو المرض السوداوي بفتور في البدن وشدة العطش وقلة النوم فحينئذ ينبغي أن يعدله بشرب شراب العسل ، وهو أن ينزع رغوة العسل ويطرح في كل رطل منه درهم زنجبيل ودرهم فلفل مدقوقين ودرهم مصطكى ويشرب لبن البقر مع السكر من تحت الضرع ، ويأكل كل حارّ رطب خفيف فإنه يخلطه إن شاء اللّه تعالى ، وإن تساهل أدّى ذلك إلى أمراض خطرة عسرة البرء مزمنة كالجذام والجرب والحكة والفالج والسكتة والدق والسل وحمى الربع وهي التي تغيب يومين وتنوب يوما فلا تكاد تنقطع ، فحينئذ ينبغي شرب مسهل السوداء وسنذكره إن شاء اللّه تعالى . اعلم أن الطبيب الماهر ليس بشرط عليه أن يبرئ العليل فضلا عن أن يزيد في العمر ولكن عليه أن ينظر في العلة وحال المريض فإذا وجد سببا إلى العلاج عالج والعافية موقوفة على أمر الباري جلّ جلاله وإن كان السبب قد أشرف بالمريض على الهلاك أمسك عن العلاج وأسباب الهلاك ثلاثة : أحدها : السبب بالقتل والهدم والتردي والحرق والغرق ونحو ذلك فإن الروح حين الوقعة ترتد إلى القلب جميعا ثم تخرج دفعة واحدة . السبب الثاني : أن يكون بزيادة أحد هذه الأخلاط الأربعة فإذا ظهر ضدها وكان مقدور اللّه تعالى الهلاك فنيت الرطوبة الأصلية وانطفأت الحرارة الغريزية قليلا قليلا حتى يشتد الألم وتخرج الروح من الجسد واللّه تعالى أعلم . السبب الثالث : الموت الطبيعي وهو انقضاء أحوال الإنسان الأربعة فإن سن الصبا حار رطب طبيعته الحياة فيه زيادة إلى البلوغ وهو خمس عشرة سنة ومنتهاه إلى عشرين سنة ثم يحدث اليبس فيصير الغالب على الطبيعة الحرارة واليبس مدة سنّ الشباب وهو أربعون سنة ثم تبدو مائية وتبرد الطبيعة ويظهر الشيب وتنقص القوة وتصير الطبيعة باردة رطبة مدة سن الكهولة وهي إلى سبعين سنة ومنتهاه إلى ثمانين سنة ثم يظهر البرد واليبس الذي هو كامن وتكمن طبيعة الحياة لضعفها وذلك إلى سن الشيخوخة فلا تزال الرطوبة الأصلية والحرارة الغريزية تنطفئ حتى يقع الفناء إلى مائة سنة وعشرين في الغالب ، وفي النادر لا حد لأكثره إلّا بما قدر اللّه تعالى من الأجل المسمى ثم تفنى طبيعة الحياة كما ذكرنا وهو الموت الطبيعي المقدور للأنام ، واللّه أعلم بغيبه وأحكم .