ابن الجوزي

95

دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه

بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة إعلم وفقك الله تعالى أني لما تتبعت مذهب الإمام أحمد ( 1 ) رحمه الله تعالى رأيته رجلا كبير القدر في العلوم ، قد بالغ رحمة الله عليه في النظر في علوم الفقه ومذاهب القدماء ، حتى لا تأتي مسألة إلا وله فيها نص أو تنبيه إلا أنه على طريق السلف ( 2 ) ، فلم يصنف إلا المنقول ، فرأيت مذهبه خاليا من التصانيف التي كثر جنسها عند الخصوم . فصنفت تفاسير مطولة منها " المغني " مجلدات و " زاد المسير " ، و " تذكرة الأريب " ، وغير ذلك .

--> ( 1 ) ولد سنة 164 ه‍ وتوفي سنة 241 ه‍ ببغداد أي أنه عاش 77 سنة تقريبا . ( 2 ) وخصوصا في الصفات فإنه كان يؤول ما يحتاج لتأويل ويفوض الباقي ، فقد ثبت عنه أنه أول قوله تعالى : ( وجاء ربك ) بجاء ثوابه ، رواه عنه الحافظ البيهقي كما نقل ذلك عنه ابن كثير في البداية ( 10 / 327 ) . وله تأويلات أخرى ليس هذا مكان بسطها ، وأما ما يدعيه بعض الناس اليوم من أنه هو والسلف كانوا يثبتون المعنى أو الظاهر من اللفظ ويفوضون الكيف فليس بصحيح ، وخصوصا أن كلامه - الإمام أحمد - رحمه الله ينافي ذلك صريحا . فقد روى الخلال بسند صحيح عن الإمام أحمد وقد سئل عن أحاديث الصفات فقال : " نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى " وهذا هو التفويض بعينه وهو الأعلم والأحكم والأسلم . لا سيما وأئمة السلف ينفون عن الله تعالى الكيف كما سيأتي عن الإمام مالك ، وأما المجسمة فيثبتون الكيف فيقولون : " ونفوض الكيف " مع أن الله تعالى لا كيف له ، وهم يصرون على أن لله تعالى كيفا ، وينقلون عن الإمام مالك رحمه الله تعالى كلمة محرفة عنه ليوهموا البسطاء ويقنعوهم بإثبات الكيف فيقولون : قال مالك : " الاستواء معلوم والكيف مجهول " . وهذا افتراء على الإمام مالك رحمه الله تعالى لأنه لم يقل ذلك ولكنه قال كما في الفتح ( 13 / 406 - 407 ) : " الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ولا يقال عنه كيف وكيف عنه مرفوع " وهذا قول السيدة أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي أول من سئل عن ذلك ، وقد ذكرنا في كتابنا - عقيدة أهل السنة والجماعة - نقلا عن " الفتح " أن البيهقي روى بإسناد جيد عن عبد الله بن وهب قال : كنا عند مالك فدخل رجل فقال : يا أبا عبد الله : ( الرحمن على العرش استوى ) كيف استوى ؟ فقال مالك : " الرحمن على العرش استوى كما وصف به نفسه ولا يقال كيف ، وكيف عنه مرفوع وما أراك إلا صاحب بدعة أخرجوه " ا ه‍ . فأنت ترى أن السيدة أم سلمة والإمام مالك ينفيان الكيف عن الله وكذلك أحمد بن حنبل يقول : " ولا كيف ولا معنى " وقد نقل الحافظ في " الفتح " ذلك عن ربيعة الرأي رحمه الله تعالى أيضا ، وكل ذلك ينسف ما قدمناه من قول المجسمة المتظاهرين بالتمسك بطريق السلف . والله الموفق .