ابراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر الأزرق
94
تسهيل المنافع في الطب والحكمة
الباب الثالث عشر في الماليخوليا أعلم أن الماليخوليا ضرب من الجنون ، وهو أن يحدث بالانسان أفكار رديئة ، ويغلبه الحزن والخوف ، وربما صرخ ونطق بتلك الأفكار وخلط في كلامه ، كما قاله في فقه اللغة . وقال في اللفظ : الماليخوليا هو أخلاط العقل ، وحدوث هذا المرض يكون من قبل علة في الدماغ ، أو من مشاركة الدماغ لغيره من الأعضاء ، وإنما يقال ماليخوليا لما كان حدوثه عن سوداء محترقة ، فتارة يكون ذلك لاحتراق الدم في الرأس ، وتارة يكون احتراق دم البدن ، ومتى كان دم القلب صافيا صقيلا رقيقا ، قاوم فساد الدماغ وأصلحه ، وليس ينعقد أن يفسد مزاج القلب ، فيتبعه الدماغ ، ويفسد مزاج الدماغ فيتبعه القلب . وقد يعرض في آخر الأمراض الحارة ماليخوليا ، فيكون علامة الموت ، حينئذ يعرض للانسان أن يذكر الموت ، وتكثر هذه العلة في الشيوخ والكهول ، في الصيف والخريف ، وتقل في الشتاء ، واللّه أعلم . فصل : في علامته : وعلامة ابتداء الماليخوليا ، ظن رديء ، وخوف بلا سبب ، وسرعة غضب ، وحب الخلوة ، ودوار ، فإذا استحكم ، ظهر سوء الظن والفزع والغم والقرب والوحشة والهذيان ، وشبق إلى النكاح لكثرة الريح ، وبعضهم يخاف سقوط السماء عليه ، وبعضهم يخاف ابتلاغ الأرض إياه ، وبعضهم يخاف الجن والسلطان واللصوص ، وربما تخايلوا أنفسهم قد صاروا ملوكا ، أو سبوعا أو طيورا ، ومنهم من يتشبه بالديوك ويصيح