ابراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر الأزرق
7
تسهيل المنافع في الطب والحكمة
وقد كان لإمامنا الشافعي فيه اليد الطولى والسابقة الأولى ، فلما رأيت المعتني به قليلا ، والسائل فيه كثيرا ، وتعلق أهل وقتنا به شديدا ، وتمسكهم به أكيدا ، وحاجتهم إليه داعية وضرورتهم إليه لا جئة ، وما ذلك إلا لمسيس الحاجة إليه ، وكثرة الضرورة ، لما ترتب عليه ، فصار فكان حقيقا بالتحصيل ؛ لكثرة المضطرين إليه في هذا الجيل ، وكنت ممن صرف همته إليه ، وفي كثرة أحواله عاكفا عليه ، فرأيت الناظر في كتب الأطباء لا يظفر بمطلوبه إلا بعد البحث والفحص العظيم ؛ لكثرة ما يوردونه من الأدوية التي يتعذر تحصيلها ، ويقل وجودها . وكان خطر ببالي أن أضع فيه مجموعا سهل التناول ، قريب المأخذ ، ولم أزل كذلك حتى وقفت على قول الأحنف بن قيس رحمه اللّه تعالى ونفع به حيث قال : ( ثلاثة لا ينبغي لعاقل أن يتركهن : علم يتزوده لمعاده ، وصنعة يستعين بها على أمر دنياه ودينه ، وطب يذب به الداء عن جسده ) ، فنشطني ذلك إلى المسارعة بإيجاز ما نويته ، والمبادرة إلى إظهار ما أضمرته ، فوجدت الحكماء قد وصفوا ما فيه كفاية مما ألفوه . وكان كتاب ( شفاء الأجسام ) لشيخنا وقدوتنا الإمام العلامة جمال الدين محمد بن أبي الغيث الكرماني رحمه اللّه تعالى من أحسنها وأجمعها وأقربها ، ويليه في ذلك كتاب ( الرحمة ) للحكيم المقري مهدي الصنيري رحمه اللّه تعالى ونفع به ، وذلك أن شيخنا أجاد في البسط ، ودار في البيداء ، وكثرة الفوائد والترتيب ، وصاحب كتاب الرحمة أحسن في الاختصار والتقريب ، إلا أنه لأجل الاختصار قد لا يعترض لبعض العلل والأمراض ، وأما شيخنا ؛ فإنه كثيرا ما يذكر أشياء من الأدوية التي لا توجد في بلدنا ونواحيها ، وكانت متبعا لمن قبله من الأطباء ، فحينئذ أحببت الجمع بين الكتابين ، وأن أنسخ من مقاصدهما وغيرهما مختصرا مخلصا ، مشتملا على ما يسهل استعماله من الأدوية السهلة ، ولا أذكر فيه شيئا من الأدوية المعدومة في قطرنا ، ولا من المجهولة التي لم تعرف عند أهل عصرنا ؛ لأن المرء عدو لما جهل ، ومن جهل شيئا عاداه ، وصرف عنه إلى ما عداه . فإن قال قائل : لو ترك الكتابان كل منهما على انفراده لم يجمع بينهما لكان كل منهما فيه كفاية ؟ ، قلنا : ثمّ فائدة حسنة في جمعهما ، وهي أن الشخص متى أراد الوقوف على دواء علته وعلاجها وجد فيه كفاية من الأدوية الكثيرة السهلة النافعة - إن شاء اللّه