نجيب الدين السمرقندي

594

شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )

في أول المرض - وهو ضعيف - قاصرة عن الإنضاج ؛ فان قوى المرض واشتد صارت مستولية عليه استيلاءا تاما فلا بد من أن يحصل بعض ذلك النضج في اليوم الذي ينذر بذلك البحران وإذا حصل فيه بعض النضج ظهرت فيه العلامات المنذرة بوقوع البحران في ذلك اليوم وما لا يكون كذلك فهو لا محالة حادّث عن اخفات المادة الطبيعة برداءتها حتى لا تمهلها إلى وقت النضج وكان البحران باستفراغ من المادة لأنه يخلّص البدن وينقّيه من مادة المرض لا بانتقال كانتقال الغب إلى اليرقان ولا خراج لأن الطبيعة تحتاج فيه إلى بحران آخر وهذا مما لا يحتاج إليه لأن الانتقال يشمله واستفراغ مادة المرض أي : المادة الفاعلة للمرض ، إذ باستفراغها يحصل البرء من الجهة المناسبة لاستفراغها مثل استفراغ المواد الغليظة بالاسهال والرقيقة بالعرق ، لأن استفراغها على هذا الوجه أسهل وأخف على الطبيعة ، فإن المادة الغليظة لو استفرغت بالعرق لم يمكن أن تخرج بتمامها وكان خروج ما يخرج منها بعسر واحتمل العليل ذلك الاستفراغ بسهولة وخفة لأنه متى كان كذلك دلّ على أن الاستفراغ كان من المواد الفاسدة المؤذية دون المواد الصالحة والّا أوجب الضرر والضعف ، وعلى أن الطبيعة لقوتها ليست محتاجة في دفع تلك المواد - لمطاوعتها في الاندفاع - إلى كلفة ومشقة ، أو احتمل العليل ذلك البحران والأعراض اللازمة له بسهولة لأن ذلك يدل على قوة الطبيعة وعدم تأثرها من تلك العوارض والّا يعرض لها بسببه إعياء وتضرّر وأعقبته راحة لأنه يدل على أن الاستفراغ كان من المواد المؤذية وعلى قدر الكفاية ، وعلى أن الطبيعة استولت على المنافى ودفعته بالتمام . وإذا مرض العليل من أخلاط محمودة فظهرت علامات النضج في بوله وغيره من أول مرضه ، فقد أمنت ؛ لأنه يدلّ على كمال قوة الطبيعة ومطاوعة المادة لها وكلّما ظهرت به أي : بهذا المريض علامات هائلة أي : دالة على تزيد المرض ، كقوة الاشتعال والتلهب والسبات وغير ذلك فالفرج بها أتم ، لأن البحران حينئذ يكون أقرب وأجود ، لأن ذلك يدل على أن الطبيعة مع كمال قوتها قد أعرضت عن جميع الأفعال واشتغلت بكليتها بالمرض مع مطاوعة مادته للنضج والدفع بسهولة لكونها صالحة في أصلها ، وحينئذ لا بدّ وأن تغلب الطبيعة عليه وتدفعه في أسرع مدة لانصراف قواها بالكلية إليه وعدم توزعها في أفعال