نجيب الدين السمرقندي
373
شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )
ومنها حمّى الوبائية . والوباء هو تعفن يعرض في الهواء والمراد بالهواء هاهنا هو الجسم المبثوث في الجوّ « 1 » وهو ممتزج من الهواء البسيط الحقيقي ومن الأجزاء المائية المتصعدّة بالبخار ومن الأجزاء الأرضية المتصعّدة بالدخان والبخار ومن الاجزاء النارية المتصعّدة من الأرض ، فلا يمتنع تعفنه لمخالطته بما أخرجه من البساطة ، فإذا خالطته ابخرة رديئة ترتفع من معادن مؤذية أو بطائح « 2 » متعفنة أو مباقل رديئة أو جيف في ملاحم أو غير ذلك مما يخرج بها الهواء عن الصرافة خروجا كثيرا أو عرض له ترطيب شديد من اشكال سماوية أو أسباب جزئية لا يشعر بها ، يشتدّ بذلك استعداده لأن يتعفن سريعا إذا اثرت فيه حرارة ضعيفة « 3 » يشبه تعفن الماء المستنقع أي : المجتمع الآجن « 4 » أي المتغير بسبب أجسام أرضية خبيثة تمتزج معه وتخرجه عن البساطة فتحدث بالجملة كيفية رديئة عفنة بحرارة ضعيفة ، فإن البسائط المجردة لا تتعفن والّا لجاز أن تتعفن كل العناصر ويلزم من ذلك انقطاع التكوّن ، لأن العفونة كيفية مفسدة مضادة للتكون فإذا تعفن الهواء عفنت الأخلاط لاختلاط تلك الأجزاء العفنة معها ولما تضعف القوى مما يرد عليها من الأمر الغريب السمّى فتعجز عن التصرف في الرطوبات وحمايتها عن الحرارة الغريبة وابتداء أولا بتعفين الخلّط المحصور في القلب ، لأنه أقرب إليه وصولا منه إلى غيره لأنه يلاقيه أولا بالتنفس وهو على صورته الرديئة لم ينكسر منها شئ فيكون تأثيره فيه وفيما فيه أقوى مما في غيره حيث يصل إليه بعد ما انكسرت سورته ، وإذا تعفن ذلك الخلّط ، تحرّك بسبب الحرارة الغريبة وانتشر في البدن كله بواسطة الشرايين فتتعفن جميع الأخلاط الموجودة فيه .
--> ( 1 ) . أي : فضاء فوق الأرض وتحت السماء . ( 2 ) . وهي جمع بطيحة والبطيح هو الموضع الواسع الذي تجتمع فيه الماء وتحتبس ويكون فيه وفي حو إليه أشجار . ( 3 ) . إنما قيد الحرارة بالضعيفه لأن القوية منها تحلل رطوبة الهواء وتجففه أعنى تفنى الرطوبات البخارية منه فيصير الهواء يابسا أعنى يتحلل منه ما يخالط من الأبخرة المائية وهذا لا محالة يكون أقل تعفنا من الهواء الرطب الذي يخالط أبخرة كثيرة ولذلك أكثر حدوث الوباء إنما يكون في الخريف وأواخر الصيف لأجل قصور الحرارة حينئذ . ( 4 ) . الأجون : تغير الماء في الطعم .