نجيب الدين السمرقندي

344

شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )

ولأن العفونة تسرى في العروق إلى ما يجاورها من الأخلاط المستعدّة للتعفن بسرعة ثم إلى المجاور الآخر لاتصال بعض ما في العروق ببعض وكلّما يتحلّل شئ بسرعة من المتعفن ، يتعفن شئ مما يجاوره حتى تفنى المادة ولم تبق المجاورة ولذلك شبهه « جالينوس » بأنبار غلة قد التهبت نار في بعض أجزائه فإنك ترى ذلك البعض الملتهب في الأمس مترمدا والجزء الذي يليه مشتعلا وعلى هذا حتى يفنى المخزن بأسره ولا يمكن أن يتعفن الدم بالجملة إذ لا يعيش معه الانسان ولأنها أيضا شديدة المواصلة إلى القلب إذا كانت داخل العروق لاتصالها به وسريان الدم والروح منه إليه فيصل إليه أدنى بقية بقيت من العفونة الأولى ويسخّن وتسرى منه السخونة إلى سائر الأعضاء وتبقى الحمى إلى أن يتعفن شئ آخر من المادة فتدوم الحمى بهذه الأسباب ولا تقلع ولكن لها اشتدادات تعرض بالنوائب التي تخص كل خلط منها وسيأتي بيانها . وإذا عفنت خارج العروق ، حدثت منها الحميات الدائرة ؛ لأن الأخلاط التي تعفن خارج العروق ليس كلها في موضع واحد بل هي متفرقة في البدن فإذا أتت على طائفة منها الحرارة المتعفّنة في مدة النوبة ، أفنت رطوباتها التي بها تتشبّث الحرارة وأخرجت هذه الرطوبات من البدن بالعرق والبخار وغير ذلك من الاستفراغات ، خصوصا إذا كانت في موضع له مدفع للفضول كالمعدة والكبد والدماغ وغيرها لأنها غير محتبسة في العروق المتلزّزة المتكاثفة المانعة لها عن تمام التحلّل فبقيت رماديتها وأرضيتها التي ليست مطيّة للحمى ولا مادة للعفونة ، لأن مطية الحرارة والعفونة لا بدّ وأن تكون جسما رطبا كما يشاهد من حال المزابل فإنها تتعفن قليلا قليلا حتى يترمّد الجميع ولم تبق فيها رطوبة فبطلت الحمى بانتفاء الحرارة إلى أن تجتمع طائفة أخرى مرة أخرى إلى موضع العفونة فتتعفن أيضا بالحرارة التي بقيت من العفونة الأولى في مستوقدها من هذه الأخلاط المترمدة أو تعفن لعلة التعفن الأول في المادة الأولى . ولذلك أي : ولأجل أن الأخلاط المتعفنة خارج العروق ليست كلها في موضع واحد حتى تسرى العفونة من بعضها إلى بعض ، صارت الحمى البلغمية تنوب كل يوم ؛ لأن البلغم سهل التجمع بسبب كثرة مقداره ، سهل التعفن بسبب