نجيب الدين السمرقندي

338

شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )

وأقول : لو قال « المسيحي » : إن الغذاء عند وروده على المعدة كما يقوى الحرارة الغريزية في الأبدان الصحيحة كذلك يقوى الغريبة في المدقوقة ، لتمّ الدليل من غير ورود شئ عليه ، فإنا نرى من أمسك عن الغذاء يومين أو ثلاثة بحيث استولى الضعف عليه وخارت قوته ، فإنه كما أكل الغذاء رجعت إليه القوة وزال الضعف قبل أن ينهضم وينفذ إلى الأعضاء ويصير بدلا للمتحلل ، وسبب ذلك أن الضعف وخور القوة إنما عرض له من تحليل الروح ونقصانه وإذا نقص التحليل منه وهو دائما في الاستمداد لأنه جوهر لطيف يتولّد بسرعة يلزم منه تكثير جوهره وتقوية القوة وانعاشها . وانما ينقص تحليله عند ورود الغذاء على المعدة ، لأن الحرارة حينئذ تتوجه إلى الغذاء وإلى هضمه ويعرض عن تحليل الروح والرطوبات الغريزية ، وذلك لأن الطبيعة من شأنها أن تحمى الأشرف وتحفظه عن الفناء والتحلل ما أمكن وتستفدى عنه بالأخس . وقال « ابن أبى صادق » : إن للمتقدمين في هذا التعليل آراء وخيرها ما قيل : « إن رطوبة الغذاء تجاذب الأبخرة الحارّة المحتبسة في أجواف هؤلاء وتزاحمها للحلول في محلها وتتدافع هي من أماكنها فتبرز وتحمى البدن لذلك مثل الأبخرة المحتبسة في النورة إذا مسّها شئ من الماء » ، ولو كان هذا التعليل حقا لكان يوجد تلك الأعراض عند شرب الماء أيضا . وأجيب : بأن هذا التعليل حق ، وعدم الثوران من الماء لأن الماء بسيط لا يقدر على مقاومة أبخرة ومواد متكونة من أعضاء مركبة بل يتلاشى ويبطل فعله ، لأن المؤثر في البدن حالة الاخلاف وحالة التبديل ينبغي ان يكون شبيها به وكذا الأغذية لأنها مركبة من العناصر فإذا وردت على الأبخرة والمواد المنحصرة في الأعضاء زاحمتها وهيجتها بقوتها ودفعتها إلى خارج ، وأما النورة فإن الأبخرة الدخانية المحصورة فيها متولدة في جسم مفرد أو غالب عليه الجسم الأرضي ، والبخار النارى الدخاني متولدة فيه فإذا أصابه الماء غاص فيه بلطافته من غير ممانعة ومزاحمة وهيّجه وأخرجه إلى الظاهر . وأقول : في كلام هذا الفاضل ما يدل على أن الاشتداد لا يكون إلّا عند نفوذ الغذاء في جوهر الأعضاء ومزاحمته للأبخرة المحصورة فيها وليس كذلك لأن اشتداد الحرارة في أبدانهم انما تظهر بعد ساعة أو ساعتين ، فظاهر أن الغذاء لا يمكن أن يتمّ هضمه بعد ساعتين بحيث يصل إلى الأعضاء وينفذ في جواهرها .