نجيب الدين السمرقندي
332
شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )
رطوبتها التي بها اتصال اجزائها القطنية فابتدأت تلك الأجزاء في التفرق والتفتت وكما لا يمكن إعادة تلك الرطوبة فيها وإن صبّ عليها دهن كثير كذلك لا يمكن إعادة ما فنى من الرطوبة المنوية ؛ لأنها رطوبة تخمرّت ونضجت في أوعية الغذاء أولا ثم في أوعية المنى ثانيا ثم الأرحام ثالثا ، والذي تورده الغاذية لم يتخمّر ولم ينضج الّا في الأول دون الآخرين فلا يقوم مقامها ، مع أن إعادة الرطوبات الثلاث وإن كانت متولدة من الأخلاط متعسر جدا سيما بعد سقوط القوة وضعف الحرارة الغريزية لما ذكرنا من أن الغذاء لا يتخلف في الأكثر الّا مما تحلّل من البدن بالتحلل الطبيعي . وعلامتها : أن تكون حمى لازمة على نظام واحد ، لأن مادتها ليست مما تتحلّل يوما فيوما ثم يتولّد بدلها أخرى كالأرواح والأخلاط وليست بقوية الحرارة واللهيب ؛ لأن الاحساس بسوء المزاج إنما يكون إذا كان مختلفا ، فأما سوء المزاج المستوى المتفق فلا يحسّ به لتمكّنه واستقراره في جوهر الأعضاء الأصلية على التدريج وإبطاله المزاج الأصلي وصيرورته كالمزاج الأصلي والشئ انما ينفصل عن الضد الوارد المغير إيّاه إلى غير ما هو عليه دفعة لا عما هو متمكّن فيه غير مغيّر له وإذا لم ينفعل عنه لم يحسّ به فلا تكون مع هذه الحمى أعراض الحميات الأخر كالغب مثلا ، لأن الغب حرارته واردة بسبب الصفراء على الأعضاء التي قد بقيت على مزاجها الطبيعي من القلق والكرب وغير ذلك مما يحسّ به العليل في الالتهاب ، وعلى هذا يلزم أن يجد اللامس الصحيح المزاج لبدن صاحب الدق حرارة أقوى وأشدّ مما يجدها من بدن صاحب الغب عند لمسه له حيث لم يستقر المزاج المرضى في بدن اللامس « 1 » ، والواقع خلاف ذلك « 2 » وإن طال اللمس ، وما ذكر بعضهم من أنه هو الواقع فهو من
--> ( 1 ) . فيصير مضادا لمزاجه مغيرا له ؛ لأن الشئ انما ينفعل عن الضد . والظاهر أنّ تضاد المزاج فيما بين اللامس الصحيح وصاحب الدق أكثر مما فيه بينه وبين صاحب الغب فيلزم منه أن يجد اللامس لبدن صاحب الدق حرارة أقوى مما يجدها في بدن صاحب الغب . ( 2 ) . والسبب في ذلك أن حرارة الغبّ إذا اشتعلت في المادة يتحلل عنها أبخرة حادّة لذاعة إلى ظاهر البدن فيشتدّ لذلك سخونة الملمس فتسخن يد اللامس سخونة شديدة في بدن صاحب الغب ؛ خلاف حرارة الدق فإنها محتقنة في أجواف -