نجيب الدين السمرقندي

234

شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )

ومعلوم أنه ليس في كل جزء من كل واحد من الأعضاء مجرى يسيل فيه ما هناك من تلك الرطوبة إلى الأنثيين ثم إلى القضيب ، فلا يمكن أن يكون وصولها إلى هناك الّا بأن تتبخر تلك الرطوبة من كل واحد من الأعضاء حتى تتصعد إلى الدماغ وهناك تفارقها الحرارة المبخرة فتبرد وتتكاثف وتعود إلى قوامها قبل التبخر ثم من هناك تنزل في العروق التي خلف الأذنين وتنفذ إلى النخاع في عروق هناك لئلّا تتغيّر عن التعدّل الذي أفاده الدماغ فلا تتبخّر بالحرارة كرة أخرى ، فإذا نزلت من هناك حتى وصلت إلى قرب الأنثيين ، صادفت هناك عروقا واصلة من الكليتين إلى الأنثيين وتلك العروق مملوءة من دم قد تسخن في الكليتين فتعدل فيحيله ذلك النازل من الدماغ إلى مشابهته بعض الاستحالة ثم بعد ذلك ينفذ إلى الأنثيين ويكمل فيهما تعدّله وبياضه ونضجه ومنهما يندفع إلى أوعيته . وأقول : إني وجدت في كتاب منسوب إلى « هرمس » في سر الخلّيقة قد فسره « بليناس » صاحب « الطلسمات » وترجمه « أبو مسحوس القس » ما يؤيد كلام « القرشي » وهو أن المنى إذا خرج من معادنه عند الجماع ائتلف بعضه إلى بعض وسما إلى الدماغ وأخذ الصورة منه ثم ينزل إلى الذكر ويخرج منه . وقال « الفاضل العلامة قطب المحققين » في « شرح الكليات » : والحق ما قاله « جالينوس » ؛ إذ بتقدير تسليم تولد المنى في الدماغ فقطع العرقين المذكورين إما ان يكون سببا لانقطاع المنى بالكلية أو لقطع النسل على معنى أن المنى ما لم يستمر على انحداره إليهما ثم منه إلى الأنثيين ثم إلى القضيب ثم إلى الرحم ، لا تكون فيه قوة عاقدة ، أو على معنى أن المنى ما لم يمتزج به شئ من دم العرقين لا يوجب النسل . والأول ظاهر البطلان ؛ لأن من انقطع له العرقان المذكوران لا ينقطع منيّه بالكلية وكذا الثاني ؛ لأنه يلزم منه أن الأنثيين متى قطعا وكان العرقان بحالهما لم يبطل النسل وهو فاسد . ويمكن أن يقال في جوابه : إنا نختار القسم الثاني لكن لا نسلّم أنه يحصل الاستغناء بهما في بقاء النوع عن الأنثيين كما لا يحصل بالأنثيين عن الرحم والقضيب والأوعية وغيرها من أعضاء آلات التناسل ، وذلك لأن وجود العرقين كما أنه سبب لابراد المنى الموجب للنسل كذلك وجود الأنثيين سبب لنضجه وإكماله وإعداده لقبول الصورة الإنسانية فلا يحصل الاستغناء بوجود كل منهما عن الآخر .