نجيب الدين السمرقندي
114
شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )
بذلك قوته ويبقى منه قسط وافر في القلب عند انبساطة في الفرح وفي كيفية الفاضل القوى ساطع النورانية فتشتدّ مشابهته بجوهر السماء ، كان صاحبه شديد الاستعداد للفرح ، وكلّما كان قليل المقدار فتحفظه الطبيعة في المبدأ ولا تدعه للإنبساط أو غير معتدل المزاج غليظ القوام فلا ينبسط لكثافته أو رقيق القوام فلا يفي الانبساط أو مظلما « 1 » ، كان صاحبه شديد الاستعداد للغم . ولما كان صاحب الماليخوليا روحه كثيفة لا تنبسط مظلمة باختلاط الأبخرة الدخانية المنفصلة عن المواد المحترقة ، كان مستعدّا للغم ويكفيه حينئذ أضعف الأسباب الغامة فيغم ويفزع مما لا ينبغي أن يفزع منه مثل تذكر الأخطار والآلام وما غلظ من المعاملات في الماضي وتوهم المخاوف في المستقبل وكثير منهم يخاف من الموت وقد يفزع مما له سبب في الظاهر لكنه يتجاوز الحد في ذلك ويستولي ذلك المزاج الفاسد والكيفية المظلمة على الدماغ ؛ لأن الروح النفساني متصل بالروح الحيواني ومن جوهره فيظلم الدماغ ويسودّه كما يظلم الدخان الكدر المظلم عين الشمس وتؤثر تلك الظلمة في النفس الناطقة بمشاركة الدماغ فيبقى في وحشة دائمة مثل المنفرد في الظلمة . على أن مزاج السوداء وهو البرد واليبس مضاد لمزاج الروح مضعف له كما أن الحرارة والرطوبة كمزاج الدم ملائم مقولة وحدوثه يكون : إما من امتلاء البدن كله عن المرة السوداء وترقى بخاراتها المظلمة إلى الدماغ . وعلامته : سواد البدن لما ذكر من أن الجلد عصبى أبيض اللون وتغيّره عن تلون الأصلي إنما يكون لغلبة خلط من الأخلاط كالسواد عند السوداء وهلاسه أي هزاله ونحافته لأن خلط السوداء ليبسها وغلبة أرضيتها تنشف الرطوبات وتجفف البدن وتقدم إدمان الأغذية المولّدة للسوداء كالنمكسود والسمك المالح وتقدم الكدّ والتعب لأنهما يسخنان البدن ويحلّلان الرطوبة ويحرقان الأخلاط وصلابة
--> ( 1 ) . : ان هذا الخلط [ أي : السوداء ] إذا كثر [ و ] خالط الأرواح هو أو ما يتبخر منه ويتدخن ، غلب لا محالة على جوهر الروح الجوهر الأرضي وتكدّرت وزال إشراقها فما دامت هذه الظلمة في الروح الذي هو آلة النفس يعرض للنفس عند ذلك توحش وتفزع وتحزن وانقباض .