أبي بكر بن بدر الدين البيطار

54

كامل الصناعتين في البيطرة والزردقة ( الناصري )

ويسرة والناس بأسرهم قد اجتمعوا للنظر ، حتى ضاق بهم الفضاء ، فلما فرغ ، دخل أمير سلاح من بعده ، وتلاه الامراء على قدر منازلهم ، واحدا واحدا ، فرموا ثم دخل بعد الامراء مقدمو الحلقة ثم الأجناد ، والسلطان يعجب برميهم وتزايد سروره حتى فرغ الرمي فعاد إلى مخيمه . ودار السقاة على الامراء بأواني الذهب والفضة والبلور ، يسقون السكر المذاب ، وشرب الأجناد من أحواض قد ملئت من ذلك ، وكانت عدتها مائة حوض ، فشربوا ولهوا واستمروا على ذلك يومين . وفي اليوم الثالث ، ركب السلطان واستدعى الأمير بيسري وأمره بالرمي فسأل السلطان أن يعفيه من الرمي ويمن عليه بالتفرج في رمي النشاب من الامراء وغيرهم ، فأعفاه ووقف مع السلطان في منزلته ، وتقدم طفج وعين الغزال ، وأمير عمر وكيلكمدى وقشتمر العجمي ، وبرلغى وأعناق الحسامي ، وبكتوت ونحو الخمسين من أمراء السلطان الشبان الذين أنشأهم من خاصكيته ، وعليهم تتريات حرير أطلس ، بطرازات زركش وكلوتات زركش وحوائص ذهب ، وكانوا من الجمال البارع ، بحيث يذهل حسنهم الناظر ، ويدهش جمالهم الخاطر ، فتعاظمت مسرة السلطان برؤيتهم وكثر إعجابه وداخله العجب ، واستخفه الطرب ، وارتجت الدنيا بكثرة من حضر هناك ، من أرباب الملاهي والأغاني وأصحاب الملعوب . فلما انقضى اللعب عاد السلطان إلى دهليزه في زينته ، ومرح في مشيته تيها وصلفا ، فما هو إلا أن عبر الدهليز ، والناس من الطرب والسرور في أحسن شيء يقع في العالم ، وإذا بالجو قد أظلم ، وثار ريح عاصف أسود ، إلى أن طبق الأرض والسماء ، وقلع سائر تلك الخيم ، وألقى الدهليز السلطاني ، وتزايد حتى أن الرجل لا يرى بجانبه ، فاختلط الناس وماجوا ، ولم يعرف الأمير من الحقير ، وأقبلت السوقة والعامة تنهب ، وركب السلطان يريد النجاة بنفسه إلى القلعة ، وتلاحق العسكر به ، واختلفوا في الطرق لشدة الهول ، فلم يعبر إلى القلعة حتى أشرف على التلف ، وحصل في هذا اليوم من نهب الأموال وانتهاك الحرم والنساء ، ما لا يمكن وصفه ، وما ظن كل أحد